69 views

مسيحيو سوريا يخشون سقوط الدولة.. لا النظام ـ سليمان يوسف

 المسيحيون السوريون جزء أساسي وأصيل من النسيج الوطني التاريخي لسوريا. شاركوا الى جانب بقية مكوّنات المجتمع السوري في الثورات والانتفاضات الوطنية ضد الغزاة المستعمرين. كانوا السباقين إلى المطالبة بالحرية ونشر الأفكار الديموقراطية. ما زال لهم دور أساسي فاعل في تأسيس الكثير من الأحزاب والمنظمات واللجان الحقوقية والمجتمعية الوطنية. لهذا، لا يمكن للمسيحيين أن يكونوا اليوم إلا مع التغيير ومع الحراك الشعبي المدني الساعي لإنهاء الاستبداد والانتقال بسوريا الى دولة مدنية ديموقراطية. لكن يؤخذ اليوم عليهم، بأنهم لم يشاركوا بفاعلية، وكما كان منتظراً منهم في حركة الاحتجاجات الشعبية المناهضة للنظام الاستبدادي، التي انطلقت في آذار 2011، ولم يحملوا السلاح لمقاتلة النظام الى جانب المعارضة المسلحة. “الانكماش الثوري” للمسيحيين السوريين، دفع ببعض النخب المسيحية المعارضة لتشكيل منظمات سياسية مسيحية، لإحداث اختراق ما في المجتمع المسيحي لمصلحة قوى الحراك والتغيير، ولملء (الفراغ السياسي)، الذي قد يجد المسيحيون أنفسهم فيه في ظل الاصطفافات الطائفية والمذهبية والعرقية التي يشهدها المجتمع السوري على خلفية الأزمة الراهنة. أبرز هذه المنظمات “سوريون مسيحيون من أجل العدالة والحرية”، التي أعلن عنها من مدينة (انطاكيا) التركية في شباط الماضي المعارض السوري ميشيل كيلو، قائلاً: “انه سيعمل من خلال هذه الهيئة، التي انضم اليها، على هدم الهوّة بين المسيحيين الذين لا يزالون يؤيدون النظام السوري وبين الثورة السورية، لتحقيق موقف مشترك بين أغلبية المسيحيين وأغلبية السوريين”.

بحكم معايشتي للمجتمع المسيحي في الداخل السوري وكأحد المنتمين الى هذا المجتمع، لا اعتقد أن منظمة “سوريون مسيحيون من أجل العدالة والحرية” أو غيرها من الأحزاب والهيئات والمنظمات المسيحية المعارضة التي أفرزتها وستفرزها الأزمة السورية لاحقاً، قادرة على إحداث تغيير مهم في المزاج السياسي للمجتمع المسيحي ودفعه باتجاه الانخراط الفعال والميداني في الحراك الثوري، خاصة بعد “عسكرة الحراك”، ناهيك عن أن نتائج ما سمي بـ”الربيع العربي” في الدول التي نجحت شعوبها في إسقاط الديكتاتوريات (مصر وتونس وليبيا) لم تكن مشجعة للمسيحيين السوريين. إذا كانت القضية الأساسية والمركزية بالنسبة لقوى الحراك والتغيير هي إسقاط النظام وتنحي بشار، فإنها لا تبدو كذلك بالنسبة للشارع المسيحي. فما يهم المسيحيين بالدرجة الأولى هو هوية الدولة السورية وشكل هذه الدولة وطبيعة نظامها الاجتماعي والقضائي والسياسي والاقتصادي. تحييد النظام عن كل ما هو ديني ومقدس.

إن مشروع المسيحيين السوريين ليس مشروع سلطة بقدر ما هو مشروع بناء وطن سوري حقيقي، ودولة مدنية ديموقراطية تعددية تحقق الأمن والعدل والمساواة لجميع أبنائها وتكفل لهم المواطنة الكاملة والشراكة الحقيقية في الحكم.

للأسف ما زال موقف المعارضات السورية، بمختلف انتماءاتها الفكرية واتجاهاتها السياسية، يتسم بكثير من الضبابية والغموض من هذه المسائل والقضايا الأساسية الهامة، الأمر الذي أضعف من ثقة المسيحيين بمصداقية هذه المعارضات، لجهة مشروع “الدولة المدنية ودولة المواطنة الكاملة” التي يتطلعون اليها. قطعاً، سياسة “النأي بالنفس” التي آثرها غالبية المسيحيين السوريين عما جرى ويجري في بلادهم، لا تعني أن هذه الغالبية المسيحية متمسكة بحكم الأسد وبنظامه الديكتاتوري، كما ذهب بعض من تناول في الكتابة والتحليل الحالة المسيحية في سوريا في ضوء الأزمة الراهنة.

في السياق ذاته، لا أتفق مع ما ذهب اليه المعارض ميشيل كيلو من “أن المسيحيين الذين ما زالوا يؤيدون النظام السوري، أنهم إما “شبيحة” أو “مضللون من قبل الكنيسة”. فمثل هذه القراءات المؤدلجة والمجتزأة للحالة المسيحية تبدو غير موضوعية. لا ننفي وجود قلة من المسيحيين المنتفعين، متمسكين بالنظام القائم، لكن مثل هذه القلة موجودة وبنسب أعلى لدى مختلف طوائف ومكونات المجتمع السوري.

صحيح أن النظام منذ اليوم الأول لانطلاق حركة الاحتجاجات، عزف على “الوتر الطائفي” وعمل على تضخيم مخاوف الأقليات من البديل ومن الفتنة الطائفية، في سعي منه لاستمالتهم الى جانبه، أو على الأقل لتحييدهم عن معركته ضد مناوئيه من الشعب السوري. لكن الصحيح ايضاً، ثمة أسباب موضوعية لمخاوف الأقليات من مفاعيل هذه الأزمة الخطيرة، التي أدخلت البلاد في حرب أهلية كارثية. وقد تعاظمت مخاوف المسيحيين مع تنامي دور وثقل المجموعات الإسلامية المتشددة في هذه الحرب العبثية، مثل “جبهة النصرة” التابعة لتنظيم «القاعدة» وغيرها من التنظيمات الإسلامية المتطرفة التي تسعى لإقامة “دولة الخلافة الإسلامية” في سوريا.

حقيقة، ما يخشاه المسيحيون السوريون، ليس سقوط النظام ورحيل بشار، كما يظن ويعتقد البعض، وإنما سقوط “الدولة السورية” التي شكلت عبر تاريخها الطويل ملاذاً آمناً لهم. فرغم تعدادهم الجيد نسبياً (10 في المئة من نسبة السكان)، ثمة شعور مسيحي عام بأنهم “الحلقة الأضعف” في المجتمع السوري. فخلافاً لمعظم الأقليات السورية الأخرى، المسيحيون أقلية غير مسلحة، أي لا “ميليشيات مسلحة” لهم لتقوم بدور الحماية الذاتية، إذا انفلت الوضع الأمني في البلاد، كذلك ليس للمسيحيين السوريين حليف إقليمي أو دولي يؤمن لهم الحماية إذا تركوا من غير حماية وطنية. كما أنهم يخشون من أن يقعوا ضحية أجندات سياسية وطائفية ليس للقوى المتصارعة على السلطة في سوريا وحسب، وإنما وقعهم ضحية أجندات ومصالح قوى اقليمية ودولية نافذة في الأزمة السورية، وأن يكون مصيرهم كمصير مسيحيي العراق، الخطف والقتل والتهجير. وثمة مؤشرات ومعطيات على إمكانية حصول ما يخشاه المسيحيون. ففي الأشهر الأخيرة حصلت اعتداءات على مسيحيين آمنين في أكثر من منطقة سورية. كما تم خطف واغتيال العديد من الكهنة، منهم كاهن بلدة قطنا بريف دمشق الأب (فادي حداد). وأكدت منظمات وأحزاب مسيحية (آشورية سريانية) في بيانات لها قيام مجموعات إسلامية متشددة بالاعتداء على الكنائس والأديرة المسيحية في بلدة (راس العين) في محافظة الحسكة بعد سيطرة هذه المجموعات على البلدة. (ومؤخراً، حصل اختطاف مطرانين قرب حلب).

للأسف، بدلاً من أن تتفهم النخب السورية المعارضة ظروف المسيحيين والعمل على تبديد مخاوفهم وطمأنتهم لمستقبلهم، من خلال تقديم خطاب وطني، مقرون بممارسات وخطوات عملية جدية، تحول دون تكرار المشهد العراقي الأليم في سوريا، أخذت بعض هذه النخب من تصريحات بعض رجال الدين المسيحي المنحازة للنظام، ذريعة لاتهام المسيحيين بالوقوف في وجه “الثورة” وتحذيرهم من عواقب وقوف كنائسهم الى جانب النظام وارتكاب أخطاء مسيحيي العراق. فيما الحقيقة أن الاعتداءات المنظمة على مسيحيي العراق إبان الاحتلال الأميركي لهذا البلد لم تكن لأسباب سياسية أو بسبب انحياز المسيحيين الى جانب الطاغية صدام حسين، كما يزعم اليوم بعض الكتاب والسياسيين السوريين وغير السوريين، وإنما لأسباب تتعلق بعقيدتهم الدينية. فالمجموعات الاسلامية المتشددة، التي اعتدت على المسيحيين، هي تعادي الغرب لأسباب دينية وعقادية. هذه المجموعات الاسلامية، مثل «القاعدة» وأخواتها، أدرجت الغزو الأميركي للعراق في إطار ما سمته بـ”حرب صليبية” جديدة على المسلمين. وهي تنظر لمسيحيي العراق والمشرق عموماً على أنهم أذناب لأميركا والغرب الصليبي يجب التخلص منهم. لا أدري، هل قدر من يتهم مسيحيي سوريا بالانحياز الى جانب النظام والوقوف في وجه “الثورة”، مخاطر اتهاماتهم المحرضة على المسيحيين، وتقديمهم تبريراً مسبقاً لما قد يتعرضون له لاحقاً من عمليات قتل واستهداف ممنهج؟

29/4/2013 – السفير

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة