60 views

ما العمل مع سوريا الآن؟ ـ أوكتافيا نصر

ربما بدا أن إسرائيل تنوي مهاجمة إيران لمنعها من تحقيق طموحاتها النووية، إلا أن الخطوات الخفية ولكن المهمة، التي تقوم بها إسرائيل تشير إلى أن الهدف المحتمل المقبل هو سوريا وليس إيران. ولمَ لا، ذلك أن من شأن هجوم على سوريا في هذه المرحلة أن يؤدّي إلى احتواء إيران و”حزب الله” و”حماس” اللذين يدوران في فلكها، وفي حال نجاح الخطة، استنفاد إمكاناتها.

إذا أخذنا بكلام الإعلام العبري المحلي، شنّت إسرائيل هجوماً على منشأة للأسلحة الكيميائية قرب دمشق فجر السبت الماضي. استنادا الى صحيفة “معاريف”، “حلّقت الطائرات الإسرائيلية فوق قصر الأسد ومنشآت أمنية أخرى” في العاصمة دمشق “قبل قصف مجمّع للأسلحة الكيميائية”. لم يصدر أي تصريح رسمي عن الحادثة من الجانب السوري أو الجانب الإسرائيلي. فجر أمس، طُلِب من السكّان في جنوب إسرائيل الاحتماء في الملاجئ بعدما أطلقت “حماس” صاروخاً من غزة انفجر في أشكول.

ليست المرة الأولى وغالب الظن أنها لن تكون الأخيرة تدخل طائرات إسرائيلية المجال الجوي السوري وتضرب أهدافاً تعتبرها إسرائيل خطرة. ففي وقت سابق من هذه السنة، تعرّضت قافلة قرب الحدود السورية-اللبنانية للقصف. على رغم أن إسرائيل لم تتبنَّ قط ذلك الهجوم، أشار المعلّقون وخبراء الدعاية الإعلامية إلى أنه يُعتقَد أن القافلة كانت تنقل صواريخ مضادة للطائرات روسية الصنع ومعدّات عسكرية أخرى وربما أسلحة كيميائية عبر الحدود إلى “حزب الله”. وادعى التلفزيون السوري أن المكان المستهدف عبارة عن “مركز للبحوث العلمية”.

عام 2009، تعرّضت منشأة سورية أخرى لغارة جوية إسرائيلية. وقد ادعى المسؤولون السوريون في ذلك الوقت أنها مجرّد منشأة علمية يستخدمها الجيش السوري. اللافت في هذه الحوادث هو أن إسرائيل تتحرّك من دون تحذير أو اعتذار، ثم يلتزم الجانبان الهدوء بعد الواقعة. فالحياة تستمر في انتظار الهجوم التالي.

عامل الاختلاف الآن هو أن سوريا تشهد حرباً أهلية دموية. لم يكن من الممكن تخيّل المشهد الحالي قبل سنتين. فما بدأ مطلبا سلميا للإصلاح بوحي من الانتفاضات العربية في تونس ومصر وليبيا واليمن، تحوّل واحداً من النزاعات الأكثر خطورة تشهدها المنطقة منذ حرب العراق وما استتبعها.

لقد امتنعت الدول الكبرى عن التحرّك ولم تغتنم الفرص الكثيرة التي كان يمكن الإفادة منها خلال الاضطرابات، الامر الذي تسبب بالفوضى على الأرض وبانقسام المعارضة، وتاليا ترك الباب مفتوحاً أمام نظام الأسد الهمجي للسير بالبلاد والشعب الى الحضيض حفاظاً على موقعه في السلطة.

ترتفع أكثر فأكثر الأصوات التي تتحدّث عن استخدام نظام الأسد الأسلحة الكيميائية بطريقة غير مسؤولة، وتتوزّع عبر منابر عدّة، وتصدر بلهجات مختلفة. وعلى الأرجح أن وتيرتها ستعلو أكثر فأكثر الى أن تبلغ الذروة بما يدفع الولايات المتحدة وحلفاءها إلى تلبية واجبهم الأخلاقي والتدخّل عسكرياً. ولكن ما نفع تأدية الواجب الأخلاقي بعد فوات الأوان؟ سوف نكون أمام مشهد آخر من النجدة التي تصل متأخّرة بالنسبة إلى الضحايا إنما في الوقت المناسب بالنسبة إلى الأفرقاء المتناحرين بما يتيح لهم دفع الأوضاع الى مزيد من التصعيد، وتثبيت مواقعهم و… إلقاء اللوم على الولايات المتحدة لتدخّلها في شؤون الآخرين، وربما زيادة الأمور سوءاً عوض تحسينها.

فيما تستمر الولايات المتحدة في البحث عن أدلّة تثبت استخدام الأسلحة الكيميائية والتي من شأنها أن تجعلها تشعر بالخزي والعار بما يدفعها إلى التحرّك في سوريا، ثمة أدلّة كثيرة تشير إلى أن تلك الأسلحة قد استُخدِمَت فعلاً. بعض هذه الأدلّة واضح في أشرطة الفيديو المتداولة عبر الإنترنت والتي تظهر مؤشرات جليّة لاستخدام غاز السارين ضد المدنيين الأبرياء؛ فضلاً عن أدلّة أخرى صادرة عن السلطات التركية التي تتحدّث عن ظهور علامات على استخدام المواد الكيميائية في الجروح والإصابات التي يتعرّض لها الضحايا.

فيما تواجه الولايات المتحدة وضعاً أكثر إلحاحاً للتدخّل في سوريا، انطلاقاً من ممارسات اللاعبين المحليين والإقليميين والدوليين، لا بد من تذكّر التحدّيات التي طرحتها التجارب المماثلة في السابق. فالتاريخ يعلّمنا أن التدخّل العسكري هو الجزء السهل. الأهم من التدخل هو امتلاك خطط انتقالية واستراتيجيا للخروج. ويعني ذلك في سوريا التوصّل إلى اتفاق بين اللاعبين الكبار أمثال روسيا وإيران وتركيا وإسرائيل. ويعني أيضاً إيجاد حل لأزمة اللاجئين التي بلغت أحجاماً كارثية. ناهيك بما يحمله ذلك لسوريا في ذاتها، التي ستتغيّر معالمها تماما، فتصير أكثر تنوّعاً بكثير من سوريا الأسد، وأصعب على الترويض وأشد خطورة إلى حد كبير.

30/4/2013 – النهار

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة