37 views

العالم واسلحة القتل الشامل ـ ميشيل كيلو

لن اتحدث عن موقف روسيا من استخدام اسلحة دمار شامل في سوريا ، لأنني لا اريد إضاعة وقتي ووقت القارىء بما لا لزوم له من كلام ، فالروس سيقفون مع الأسد إلى ما قبل دقائق من سقوطه ، ولن يكون بوسعهم عندئذ أن لا يسقطوا معه . ثم أن الروس لم يتعهدوا بفعل أي شيء في حال استخدم الأسد اسلحة كيماوية ضد الشعب ، لذلك لا يجدي توجيه الخطاب إليهم وتذكيرهم بالتزام ما قطعوه على أنفسهم وخالفوه بصمتهم عن قتل الشعب السوري بهذه الاسلحة .

أتحدث عن الغربيين عموما والأميركيين خصوصا ، الذين قالوا إن استخدام السلاح الكيماوي خط أحمر . لكنهم يراوغون اليوم ، بعد أن ثبت استخدامه في ثلاث عشرة حالة وليس في حالتين فقط، ويحاولون استخدام مهاراتهم الكلامية ليتنصلوا من نتائج موعودة يجب أن تترتب على موقفهم من جريمة اقترفها النظام ، تمثل تحديا صارخا للعهود والمواثيق الدولية الخاصة بالإنسان وحقوقه وبامن وسلامة الشعوب . ومع أنني لم اعتقد شخصيا أن تصريحات الرئيس اوباما حول استخدام الأسلحة المحرمة دوليا تتصل بحماية السوريين ، بما انه حدد خطين أحمرين يتصل اولهما باسرائيل ، وثانيهما بجبهة النصرة ، التي قال إن اميركا ستتدخل إن وقعت هذه الاسلحة في يدها ، وبالتالي فإن استخدامها ضد الشعب ليس خطا أحمر يستوجب اجتيازه رد فعل عسكري أميركي حتمي ، بل هو مسألة سياسية تخضع للتجاذبات التي لازمت سلوك واشنطن حيال العنف المتصاعد والمتدرج ، الذي استخدمه النظام ضد المدنيين العزل والأبرياء من مواطنات ومواطني سورية ، واجتاز دوما عتبة حددها الأميركيون دون أن يحدث أي رد فعل من جانبهم ، غير الردود اللفظية المكثفة التي اريد بها حجب حقيقة موقف واشنطن من المسألة السورية ، والتزامها بسياسات غض نظر تخدم مصالحها واسترتيجيتها في المنطقتين العربية والإسلامية ، ناقض موقفها العملي فيها موقفها الكلامي ، فبينما تجاوز أولهما باستمرار العنف الرسمي والسياسات الهادفة إلى تطييف وعسكرة الصراع السوري، أدان ثانيهما العنف وتظاهر بالغضب لما يحدث على الأرض ، دون أن يفعل أي شيئا لايقافه خلال عامين مريرين ذاق الشعب السوري فيهما شتى صنوف الويلات ، وشاهد بأسى كيف يسهم التعاطف الدولي الكلامي معه في تغطية مواقف تتقصد أن تكون عاجزة عن مد يد العون له ، رغم أنها تمتلك من القوة ما يكفي لمساعدته .

يبدو الأميركيون مخلصين هذه المرة أيضا لموقف عام اخلصوا له، يفيد من الصراع ويكتفي باستنكار ما يستخدم فيه من عنف رسمي من جهة، يوازنه بالتحريض على ما يسميه تنظيم القاعدة من جهة أخرى . في هذا السياق ، المح البيت الأبيض إلى أن الرئيس اوباما يواجه مأزقا سياسيا خطيرا يحول بينه وبين اتخاذ موقف أو القيام بخطوة حاسمة ضد نظام الأسد ، بذريعة ان اميركا ليس لديها القدرة على خوض حرب جديدة . من سوء حظ اوباما أن رئيس اركان قيادته العسكرية المشتركة أعلن في اليوم نفسه جهوزية قواته للتدخل العسكري في كوريا الشمالية، الأقوى مائة مرة من نظام الأسد !.

كانت واشنطن تتهرب من اتخاذ موقف تحت غطاء سياسات تتجاهل ما يجري على الأرض لكنها تعد دوما بالتصدي لاحتمالاته التصعيدية المستقبلية . وقد سارت على هذا النهج طيلة عامي صراع طويلين دفع ملايين السوريين خلالهما ثمنا فادحا جدا من دمائهم وأمنهم وارزاقهم وكرامتهم ، فهل تغير مواقفها الآن ، امام فظاعة استخدام أسلحة كيماوية متنوعة ضد المدنيين العزل، ام انها ستواصل سياسة التنصل من ما يجري والتعهد بالتصدي لاحتمالاته ، رغم أن النظام صعد عنفه دون توقف واستعمل كل ما في حوزته من اسلحة ، ولم يحجم عن الانتقال من سلاح فتاك إلى سلاح اشد فأشد فتكا ، على أمل القضاء على الثورة بالقضاء على الشعب الذي يقوم بها ؟.

ليس استخدام سلاح كيماوي ضد شعب آمن ومطالب بالحرية مسألة يمكن القفز عنها ، فالنظام الذي دأب على القول إنه مقبول دوليا، وان العالم غير جاد ويضحك عليهم ،عندما يتظاهر بدعم مطالبهم ، والدليل ان احدا لم يفعل شيئا لكبح عنفه ووقفه عند حدود. ربما كان هذا الاقتناع وراء ما قاله ضباط مخابرات لبعض المعتقلين ، وملخصه أن نهاية النظام ستعني نهاية الشعب السوري ، لأنه لن يسقط قبل أن يقتلهم جميعا ، ويستخدم كل ما لديه من أسلحة دمار شامل وباقصى كثافة ممكنة لقصف مدنهم وقراهم عشوائيا ، وإبادة سكانها عن بكرة أبيهم .

ان حدث هذا او شيء منه ، ماذا سيفيد السوريين بكاء العالم عليهم ؟. وماذا افادوا من تعهدات دولية زعمت أن “العالم المتحضر” لن يسمح بتكرار مذابح حماه ، وها قد سمح بقتل عدد من منهم يوازي عشرة أضعاف قتلى المدينة الشهيدة ؟. وأي قانون دولي وشرعية دولية سيحكمان العالم ، إن استمرت سلبيته المرعبة تجاه ما يحدث في بلد خرجت سلطته على أي قانون وعرف ، واية مدونة اخلاقية ، واي نمط من التعامل السلمي مع مواطنيها ، تمعن في تحدى الشرعية الدولية منذ نيف وعامين ، وتعلن أنها لن تترك السلطة وفي سورية حجر فوق حجر ؟!

ليس السماح بسقوط سورية في اتون العنف غير تعبير عن السماح بسقوط الشرعية الدولية أيضا. ولن تنقذ سورية التضحيات التي يقدمها شعبها ، إذا لم ينجح النظام الدولي في أن يصير نظاما ودوليا بالفعل لا بالقول . هذه هي المسألة التي لا اطالب اوباما وحده بتقديم جواب عليها ، وهذا هو التحدي الذي يجب على العالم قبوله والنجاح في اختباره العصيب ، كي لا يتكرر الحدث السوري في امكنة كثيرة منه ، يسوسها هي ايضا غيلان تحرسهم وحوش !.

الخميس 02/05/2013, المدن

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة