45 views

ما المستجدات والوقائع التي دفعت نصرالله إلى فتح الأبواب أمام مرحلة جديدة؟ ـ ابراهيم بيرم

 كثيرة هي المرات التي أطل فيها الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله متناولاً الحدث المتوالي فصولاً في سوريا، ولكنها بالتأكيد المرة الاولى يتحدث فيها بهذا الوضوح وبهذه الشفافية واستطراداً بهذا الحزم والحسم عن مآل الاوضاع في الساحة المجاورة، واكثر من ذلك انها المرة الأولى التي يتخطى فيها خطوطاً كان يعتبرها البعض حمراء، وخصوصاً لجهة الربط المحكم والصريح بالتطورات المرتقبة للوضع في سوريا.

خصوم نصرالله اعتبروا ان الرجل قال صراحة ما كان يقوله في الاشهر السابقة تلميحاً، وهو أنه وضع نفسه في موضع اللاعبين الاساسيين في المسرح السياسي والعسكري الملتهب في سوريا، مختاراً ابواباً للدخول، هي بالأصل مثار جدل وتأويل. وبمعنى آخر، اجاب نصرالله دفعة واحدة واخيرة عن سؤال محوري طالما طرحته الأوساط السياسية والديبلوماسية على اختلافها وفحواه ماذا سيفعل “حزب الله” القوة الأكثر تنظيماً وحضوراً اذا ما استمر حبل الازمة ملتفاً حول حليفه الأقرب بعد طهران اي النظام في دمشق؟

طبعاً ثمة من يرى ان سيد “حزب الله” يذهب الى مساحات لم يتطرق اليها سابقاً في معرض حديثه عن الاوضاع في سوريا منذ نحو عامين ونيف عندما أوجد سبل ارتباط اقوى مع النظام في دمشق متماهياً الى حد الاندماج مع معركته الشرسة ومعتبراً ان الهدف واحد وإن تعددت ايدي اللاعبين، ذاهباً الى حد اعتبار المعركة في سوريا معركة خيارات سياسية وليست معركة طوائف ومذاهب. ولا ينكر الذين هم على تماس مع “حزب الله” ان نصرالله “نصّب” نفسه ناطقاً باسم محور طويل عريض بات معروف الحلقات ومكشوف المحطات وان هذا المحور لن يسمح بتحقيق حلم خاله الكثيرون انه بات يانعاً وقد حان قطافه وهو “حلم” اسقاط النظام في سوريا، اذ ان هؤلاء يقولون ان المحور الذي كان في البداية مشكوكاً بوجوده صار حقيقة عنيدة وان علاقة روسيا مع هذا المحور قد تخطت شركة المصالح الى حدود التحالف الوثيق.

كل ذلك قد يبدو معروفاً، ولكن السؤال الذي يطرحه خصوم نصرالله والمعجبون به على حد سواء هو ما الذي جعل الرجل يسقط الكثير من الخطوط الحمر والمحاذير التي كان يراعيها في السابق ويلج الى صلب الموضوع مباشرة على رغم ادراكه لحجم عاصفة ردود الفعل التي ستهب عليه من اكثر من جهة وبالتحديد من خصومه على الساحة اللبنانية وفي مقدمهم تيار “المستقبل”؟ اكثر من سبب وداعٍ جعلت نصرالله يركب هذا المركب الخشن ويتحدى كل ما يمكن ان يترصده فيه من مصاعب وعقبات واتهامات.

فعلى المستوى الميداني في سوريا ثمة معطيات ووقائع تثبت لنصرالله ولسواه من الراصدين انقلاب الصورة وانتقال الجيش السوري من مرحلة الدفاع والصمود الى مرحلة الهجوم وتحقيق انجازات ميدانية كان ثمة رهان على أن هذا الجيش فقد القدرة على تحقيقها بهذه السرعة القياسية، فضلاً عن ذلك فان الواضح ان القيادة العسكرية السورية مندفعة بقواتها وفي اقصى سرعة ممكنة لتحرير محافظات بعينها وإلحاق ضربات كاسحة بالمجموعات المتمردة على انواعها على نحو يجعلها عاجزة عن اعادة الكرة او اعادة عجلة الامور الى الوراء، وعلى نحو يجعل الكلام الاميركي والغربي المتجدد عن امكان تسليح المعارضة بأنواع “مميتة” غير ذي قيمة عملية.

على المستوى السياسي العام، لا ريب ان نصرالله العائد للتو من لقاء اجراه مع مرشد الثورة الاسلامية في ايران السيد علي خامنئي، ليجلس نحو ساعتين مع المبعوث الشخصي للرئيس الروسي ميخائيل بوغدانوف في الضاحية الجنوبية، بات يقيم على جملة معطيات ووقائع ومستجدات سياسية استراتيجية جديدة تدفعه الى الافصاح عن كثير من خيارات صعبة كان في السابق يغلفها او يقاربها تلميحاً، او يترك مجالاً للتكهن والتأويل حول مؤداها.

فهو ولا ريب رصد 4 مشاهد متتالية ومتزامنة، تنطوي على كثير من الدلالات والأبعاد الاستراتيجية، فهو رصد السيد خامنئي واقفاً ليتحدث امام اكثر من 500 شخصية اسلامية من نحو 50 دولة عربية وغير عربية وفدت الى طهران قبل ايام قليلة للمشاركة في مؤتمر “الصحوة الاسلامية”. والأهم من المشهد نفسه الكلام الذي أطلقه والذي خرج فيه ربما للمرة الاولى عن كثير من اللياقات والخطوط الديبلوماسية الايرانية ليتحدث صراحة عن “دول بعينها” تتآمر على سوريا. وهو وإن لم يسمها بالاسم فان رئيس لجنة شؤون الأمن في البرلمان الايراني علاء الدين بروجردي قد سماها مركّزاً اكثر ما يكون على قطر. وهو (أي بروجردي) قال كلامه الصريح هذا ثم توجه الى دمشق ليلتقي اقطاب النظام وقادة الفصائل الفلسطينية في خطوة عدّت رسالة جديدة بمواصفات جديدة لمن يعنيهم الامر. ونصرالله كان يرصد عن كثب تطورات الموقف في الساحة العراقية التي باتت في قلب الحدث الاقليمي، وراقب رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في مؤتمر عن التقريب بين المذاهب الاسلامية عقد بدعوة منه في بغداد يتحدث بلغة جديدة حاسمة وجادة، في وقت كانت قوات الأمن العراقية “تدك” في ساعات ما اعتقد المعارضون انه صار رقماً صعباً لا يمكن تخطيه في ساحات الاعتصام والتظاهر المستمرة منذ أشهر من دون أن تغير في واقع الحال شيئاً، وهو الذي أدرك ان هؤلاء المعارضين ما نزلوا الى ساحات الاعتصام والتظاهر إلا لأنهم أرادوا أن يكونوا جزءاً من المشهد الاقليمي وفي قلب الحدث السوري المشتعل، ويدرك في الوقت عينه ان المعتصمين منذ نحو أربعة اشهر كانوا ينتظرون كلمة سر لم تأتِ لأن سير المواجهات في سوريا أخذ اتجاهاً معاكساً.

والى هذه الصورة وتلك كانت تتوارد الى نصرالله صورة الارباك الاسرائيلي والاميركي حيال تطورات الوضع في سوريا وكل من واشنطن وتل أبيب تدعو الأخرى للنزول مباشرة الى ساحة الفعل وكلاهما تدعوان أنقرة وعمان، وجميعهم يختارون الدخول الى اللعبة بالواسطة أي عبر دعم ارسال مجموعات مسلحة مدربة على عجل الى الداخل السوري، لكن النظام كان لها بالمرصاد خصوصاً في ريف دمشق فأنهاها على عجل ووضع معها حدوداً للعبة اجتياح العاصمة الموعودة منذ زمن كفعلٍ فصلٍ في مسار المعركة.

باختصار رصد نصرالله مشهد “الاشتباك” الممتد على مساحة الجغرافيا السياسية للمنطقة، حيث تستباح حدود الدول، ويتم تجاوز الخطوط المرسومة منذ عقود.

وهكذا، وعلى جاري عادته تلقف سيد “حزب الله” اللحظة والفرصة وشرع في هجوم وقائي راسماً باسم المحور كله معالم المرحلة الجديدة. وخصوم نصرالله لم يخرجوا عن قناعتهم بأن ما قام به أخيراً هروب الى الامام من المأزق الحتمي الذي صار اليه منذ ان تصدعت جبهة الحليف الأقرب في سوريا وانزلق البلد الذي مثّل على الدوام جبهة الدعم الخلفية الى بؤرة الاحتراب الطويل. لكن الاكيد ان نصرالله كان، بحسب المقربين من الحزب، يؤكد مجدداً صحة ما ذهب اليه الحزب سابقاً، وهو ان النظام الحليف في دمشق غير آيل الى السقوط وان المحور الذي شكّل له السند والعضد طوال العامين الماضيين قد امتلك زمام المبادرة، وشرع في الهجوم المضاد.

4/5/2013 – النهار

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة