43 views

الريف السوري والثورة وقفة عند بعض التفاصيل ـ فايز سارة

كثيراً ما تم تداول اعتقاد خاطئ، وهو أن النظام الذي أقامه البعث في سوريا، هو نظام مناصر للفلاحين، واستند هذا الاعتقاد وتعزز من معطيات بينها، أن أغلبية الذين شاركوا في انقلاب البعث عام 1963، وفي انقلاباته الداخلية اللاحقة، كانوا عسكريين من أبناء الفلاحين ومثلهم أغلبية الذين انضموا اليهم من المدنيين، بل إن أسرهم كانت لا تزال تعيش في قرى الريف السوري، وزاد على ذلك، أنهم رفعوا شعارات اشتراكية، وأعلنوا العداء للطبقات البرجوازية والإقطاعية، التي وصفوها بـ”المستغلة” وبعضهم أشهر بصورة علنية العداء للمدن وسكانها بطريقة فجة للدلالة على الانتماء للريف وللفلاحين.

لقد شكلت تلك الإعلانات جوهر الخط الدعاوى الذي سار بتواترات مختلفة منذ استيلاء نظام البعث على السلطة. غير أن الواقع تطور في اتجاه آخر. فمعظم الذين شاركوا في سلطة البعث من أبناء الفلاحين انفصلوا عن ريفهم وأهلهم، بل إن بعضاً منهم اتبع سلوكاً معادياً للريف ولأهالي الريف، وهم في ذلك لم يصيروا من أهالي المدن وأبنائها، إنما اتبعوا سلوكاً معادياً أيضاً، وفي المحصلة قاموا بتوليد نمط جديد هجين استعار من الريف ومن المدن أسوأ ما فيهما، وصاغ منه سلوكه، وهذا ما يفسر حالة الانفصال عن الواقع التي يعيشها رموز وأركان النظام في علاقتهم مع السوريين في أريافهم ومدنهم على السواء، حيث يستمر تدمير القرى والمدن في آن معاً من دون أن يرف لهم جفن.

والعداء الذي مارسه نظام البعث حيال الريف، يمكن تلمسه في مجموعة سياسات، لعل الأبرز فيها، استنزاف القوة البشرية من الريف السوري وزجها في الجهاز الأمني العسكري، الأمر الذي أدى الى دمار عام في الريف أصاب بنيته الاجتماعية والاقتصادية، ولا يحتاج تأكيد ما حصل الى تفاصيل. إذ هو واضح في أحوال أرياف اللاذقية وطرطوس وحمص وحماه وإدلب ودرعا، وهي مناطق الريف الأوسع في سوريا، التي تم جلب شبابها للانضمام الى أجهزة الأمن والشرطة، ووحدات النخب العسكرية التي لعبت دوراً أمنياً خطيراً من قوات المغاوير والوحدات الخاصة في الستينات الى سرايا الدفاع في السبعينات وصولاً الى قوات الحرس الجمهوري الحالية.

والنقطة الثانية في مؤشرات سياسة البعث المعادية للريف السوري، تتمثل في الإهمال المتعمد للريف في خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وكثير من الريف السوري عاش في عقود البعث من دون تحديث، حتى البسيط منه، كما في موضوع إيصال الخدمات الأساسية من كهرباء وماء وهاتف وطرق مواصلات، بل إن الأمر تجاوز ذلك الى إهمال إقامة أي مشروعات تتعلق بالصناعات الزراعية أو الحيوانية في أرياف توصف بانتاجية عالية في المجالين، والأمر الوحيد الذي اشتغلوا عليه في الأرياف، هو الروابط الفلاحية، والتي جرى استخدامها من خلال قروض المصرف الزراعي والبذار لإحكام السيطرة الأمنية والسياسية على فلاحي الريف، وتعزيز قوة وسيطرة وكلاء النظام، وهذا لم يؤدِ الى تحسن ولو نسبي عند الأغلبية الفلاحية ولا سيما الفقراء والنساء، الذين تم إجبارهم بصورة غير مباشرة على الهجرة من قراهم للعيش في تجمعات البؤس والأحياء العشوائية في المدن، والقيام بأعمال هامشية لم تستبعد منها أعمال تنتسب الى عالم الجريمة مثل التهريب والدعارة.

لقد أحكمت الرأسمالية الطفيلية التي تطورت اليها نخبة النظام العسكرية وبطانتها المدنية سيطرتها على مساحات كبيرة من أفضل الأراضي الزراعية في الريف السوري بأساليب متعددة، أهمها السطو على أملاك الدولة وتحويلها الى ملكيات خاصة، وهو ما ترافق مع فرض السيطرة على الملكيات الزراعية الخاصة للفلاحين عبر أساليب أبرزها مصادرة تلك الأراضي تحت حجج مختلفة مثل إغلاقها مناطق عسكرية أو مناطق ذات نفع عام، كما تمت السيطرة على بعض تلك الأراضي بطرق احتيالية عديدة، والقليل منها جرى الاستيلاء عليه عبر عمليات شراء مباشر لكن وسط ظروف غير طبيعية، وهكذا تم تجريد الريف والفلاحين فيه من ملكياتهم الزراعية ولا سيما في الأرياف الملاصقة للمدن كما في محيط دمشق وحمص واللاذقية من أجل تحويلها الى مشاريع استثمارية وخدمية، وهذا يمثل نقطة ثالثة في سياسة عداء نظام البعث للريف وللفلاحين في سوريا.

إن إفراغ الريف من سكانه بأخذ الشباب للخدمة في الآلة العسكرية الأمنية للنظام، ودفع قسم من سكانه للهجرة الى المدن للقيام بالأعمال والخدمات الهامشية، والسيطرة على الأراضي الزراعية وتحويلها الى مشاريع استثمارية للنخبة وحوافها خارج أي خطط تنموية تخدم سكان الريف، جعل الريف السوري بؤرة قابلة للاشتعال لا تمنعها من ذلك المفارز والمقار الأمنية، المناط بها ضبط تلك المناطق وسكانها، وهذا ما حدث فعلاً عند اندلاع ثورة السوريين في آذار 2011، والتي وإن بدأت أولى شراراتها في مدن منها دمشق ودرعا وحمص، إلا أنها سرعان ما أشعلت الريف بمعظم مدنه وقراه.

لقد تلقف أبناء الريف الصرخات السورية الأولى، التي طالبت بالحرية والكرامة، ونهضت في الأرياف فئات اجتماعية واسعة، ضمت في حراكها الأول المتعلمين من مهندسين وأطباء ومحامين ومعلمين، وطلبة الجامعات، ثم انضمت اليهم فئات شعبية أخرى وبخاصة الحرفيين والعمال ثم العاطلين عن العمل، وهذا كان ملحوظاً في الحراك الشعبي الذي نهض في مدن وقرى الريف السوري، حيث تم تنظيم وإطلاق التظاهرات الأولى، ثم انضم رجال الدين ورجال أعمال صغار للحراك الشعبي، ما أعطى لهذا الحراك زخماً واسعاً، وجعل للتظاهرات حضوراً غير مسبوق، لم يألف الناس في الأرياف السورية أن تحس لأول مرة بوجودها وتأثيرها في الحياة السورية.

وبطبيعة الحال، فإن تحرك الأرياف، كان مفاجأة أخرى للنظام الذي كان قد فوجئ بتظاهرات وحراك المدن، ومثلما فعل في مواجهة حراك المدن، قامت قوات الأمن بإطلاق النار على المتظاهرين في الأرياف، ما تسبب في قتل وجرح العديد منهم، فيما تم اعتقال وملاحقة آخرين، وهكذا بدأ سعار الحل الأمني في الأرياف، الذي تطورت تفاصيله الى عمليات تدمير البيوت والمزارع ومنشآت تربية الدواجن والحيوانات على سبيل الانتقام من الفلاحين، ثم تطور الأمر الى سياسة ردم الآبار الزراعية وتدمير المحاصيل واقتلاع الأشجار المثمرة، وقد أصبحت هذه السياسة عامة، لها تعبيرات في معظم قرى ومدن الريف السوري.

لقد هدفت السياسة الدموية والتدميرية في آن معاً، ليس الى وقف عمليات الاحتجاج والتظاهر، ولا لتصفية القوى المسلحة التي شكلها المتطوعون الأوائل في القرى ضمن إطار الجيش السوري الحر للدفاع عن المظاهرات فقط، إنما هدفت (تلك السياسة) للانتقام من سكان الريف الذين تجاوزوا حدود الجرأة في تحدي النظام والمطالبة بإسقاطه عبر اتباع طرق وأساليب عدة بدأت سلمية من خلال التظاهرات، ثم تحولت مسلحة بعد إنشاء التنظيمات الأولى للجيش السوري الحر.

وبخلاف ما هو شائع عند بعضهم ومنهم النظام الحاكم وبطانته عن الريف السوري، بأنه ريف متخلف تسيطر عليه النزعات التقليدية دينياً واجتماعياً وثقافياً، فقد كشف الريف عن حالات وعي متقدم في مجالات كثيرة. ففي تظاهرات الريف السوري دوت الهتافات السلمية والمطالبة بالحرية وتأكيد وحدة السوريين، بما يعنيه ذلك من رفض للعنف وللتطرف وللطائفية، وهو وعي قائم وموجود رغم كل مظاهر التسلح والعسكرة ورغم بروز بعض التشكيلات الدينية والجماعات السلفية الجهادية، بل إن بعض تعبيرات وجوده انطلقت في مواجهة فوضى السلاح، وفي مواجهة التطرف مرات كثيرة وفي العديد من المواقع.

لقد دفع الريف السوري ثمناً كبيراً لتحركه ومطالبته بالحرية، ومن أجل التغيير الى نظام جديد ديموقراطي تعددي يوفر الحرية والعدالة والمساواة للسوريين جميعاً. ورغم الفاتورة التي كلفته ضحايا سقطوا شهداء وجرحى أو ذهبوا الى المعتقلات أو طوردوا، ورغم المهجرين واللاجئين، إضافة الى تكلفة الدمار والخراب الذي ألحق بالبيوت والممتلكات وبالأراضي الزراعية والمشروعات، وكلها جعلت حياة أغلب الفلاحين في كارثة كبيرة، فإن ثمة إصراراً على مواصلة الثورة الى حين تحقيق الهدف الرئيس للثورة في نظام جديد.

4/5/2013 – المستقبل

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة