44 views

محاولة ليست أخيرة لإدانة النفاق ـ عزيز تبسي

-1-

لا يكف هؤلاء الذين يحاولون تقليد بعض من مظاهر سير الثوار والأصوات الحية لضمائرهم،عن تكرار عبارتهم الآسرة،المنفتحة على سقف سماوي،حين ترفع الهتاف إلى ما فوق غيومه “لن نركع إلا لله”.لابد من التربيت على أكتافهم،قبل الهمس في آذانهم:”حسناً تقولون،لكن طالما رآكم العامة تركعون لغير الله!!”

يركعون ويسجدون كذلك،ساعة تأخر وصول الأموال لهم،وساعة لا ترد أسماءهم في قائمة المدعويين لزيارة البلدان التي تطبخ”الثورات”على نار هادئة في الفنادق وتشم رائحة شياطها في الفنادق المجاورة،وذريعة إجراء دورات تأهيلية في إدارة فنون الثورات،أي في فنون إحباط الثورات،ودورات تتوخى إعدادهم كمراسلين ومخرجين أي كمخبرين ومجسات في صفوف الثورة،ينقلون أخبارها،ويرصدون تطوراتها والقوى الفاعلة فيها.

ويركعون حين لا يصلهم “مصروف الجيب”والحواسيب الشخصية،وبطاقات الإتصال الدولية المدفوعة الأجر،وآلات التصوير الحديثة،وإسقاط أسماؤهم عن جداول التنظيمات الواهية سريعة الإنشاء،غامضة المهام،ولا بأس حين تشتد المعارك ويعلو صوت الرصاص على غيره، من تمرير طلب هجرة نهائية للعائلة،لكون البلاد لم تعد آمنة”للثوار”رغم حديثهم اليقيني الطويل عن الجغرافيا الواسعة التي باتت خارج سيطرة السلطة وجيشها،أو طلب لإستكمال الدراسة في المهجر حتى لا تخسر الثورة طليعتها وتبدد خبراتها،أو التوظيف في وزارات الحكومة “الثورية” القادمة أو سفاراتها أو قنصلياتها،أو إدارة صفحات إعلامية ،لايقرأها أحد لغياب الكهرباء وشبكة الإتصالات،رغم ذلك يتباهون بكونها تهدف إلى تمكين العامة ورفع سويتهم الفكرية،عبر تذكيرهم بأمجاد المعتصم بالله حين كان يلبي نداءات الإستغاثة،أو حين كان رجال البلاد العظام يجلسون معاً لشرب التمر هندي وتدخين النراجيل،كشكل هزلي من أشكال إستعادة الوحدة الوطنية،التي لا يلبث أن يفتقدها هؤلاء الأعيان من حين لآخر ويعملون على إستردادها مرة أخرى.

ويركع قبلهم أيضاً ويدربهم عليه،من يرشحهم للخوض في هذه”المهام النضالية”،رغم تكراره مثلهم تلك اللازمة التي يقتبسوها من الثوار،الذي تفحّم بعضهم بلهيب حرائق فاشية لاترحم،وقتل الآخرون في ساحات التظاهرات أو في أعمال الإغاثة،وغيب منهم خلف الأسوار ليذوب هناك كشمعة،ومن هجر بيته تاركاً أهله في هذه الجغرافيا المتصحرة بلا قطرة ماء.

لكنه يركع كذلك،يركع وهو يتسول الأموال من الأمراء والوزراء والمبادرات الدولية،ويركع حين يؤثر رغد العيش في العواصم التي تقايض الثورة أموالاً بمواقف،على العودة إلى الأماكن المحررة،ليقف مع الأرتال الطويلة للوصول إلى ربطة الخبز،وسطل المياه،وإنتظار فسحة الكهرباء….وتفعيل الهاتف للإطمئنان على الأهل المنتظرين رنين جرسه المنذر في عتمة الأحياء المجاورة.لم يدس أحد ورقة تحت أطباقهم العالية،ليقرؤوا قبل التجشؤ عبارة هيغل الذي لايكف بعضاً مثقفيهم من إسناد نصوصهم بعباراته”يثبت المرء حريته،فقط في مجازفته بحياته”.

الحقيقة تتضح كل نهار وليله،أنهم لن يقفوا على أقدامهم ولن يرفعوا رؤوسهم قط،وكأنه قدرهم،ملتصق بجلودهم كوشم نخاس لعبيده المؤبدين.

-2-

مازال هؤلاء العجائز في أماكنهم لم يبارحوها،يضربون كفاً بكف،مرددين بلا توقف العبارة المجوفة”العالم لم يقف معنا،تركنا نموت…”وكأنه آن الوقت لإطلاق العبارة من سجنها الأيديولوجي لتتوضح.العالم الإمبريالي لايقف مع ثورة الشعب السوري،وكأنه كان يقف مع غيرها،لكن ينبغي الإقرار بأنه يقف مع بعض خيارات الناطقين بإسمها،وهي “للمصادفة”الخيارات التي تخرج الثورة من أسباب ثورتها وتدفعها للركوع.

وينتحل هؤلاء سير الحكماء كذلك،لتوفر فائض من الوقت عندهم،قبل توضح الإنجازات وإنفصال بياض الثورة عن سواد الثورة المضادة،حين يتحدثون عن ضرورة عدم إغماط دور أحد في المستقبل ،ويبشرون بذلك الجميع بصراخ عال،ويعدون في هياج كلامهم الملائكة كذلك بأنه سيكون لهم دوراً،حيث سيوقظون الموتى أو يحييون العظام وهي رميم أو حين ينفخون في الصور لإخراج الخراف البيضاء المطيعة إلى خضر المراعي.

-3-

يطالب المحارب النازي وظهيره المثقف،بضرورة أن تكشف الثورات عن وجهها وحقيقتها،يتباكون بدموع التماسيح لا بسواها على النضال السلمي وأيامه الزاهرة،حين كان العامة يقفون كعصافير فوق أغصان شجرة الثورة المستنبتة لتوها،ويتدرب هؤلاء على قنصهم والبصق على ريشهم،وهرس عظامهم بعد السخرية من شدوهم الطويل.

ويتباكى من لم يبارحوا مقاعدهم الوثيرة قيد أنملة،على تلك الأيام كذلك،حين كان العامة يأكلون القتل ويدفعون الخراج،قبلها كان يمضي”الوجهاء الديموقراطيون”ببذاتهم الأنيقة وربطات أعناقهم المسدلة،متفقدين في الجيوب العميقة لمعاطفهم الداخلية الأمشاط الخفيفة وزجاجات العطور،قبل أن يتفقدوا بعضهم ويبحثون عن الذرائع لمن تأخر ،أيام التظاهر بالتظاهر هو الغاية القصوى من هذه التجمعات المتثائبة،لتتثبّت كعادة نخبوية لا يدعى إليها العامة بالبيانات الثورية والملصقات،ويبقى ذاك اللعب على الكلمات،كأن نسمي الوقوف الخجول أمام أكشاك بيع الصحف لتلقف آخر أخبار الأنذال تظاهر!!

حينها لم يكن في الإمكان أكثر مما كان.لكن ساعة تخرج الجموع من سباتها،يتلجلج هؤلاء،يفتخرون من حين لآخر في حيزات ضيقة بالشبان،اللذين يمضون بقلوب نابضة وإرادات عالية وعيون مبصرة،ليعود من يبقى على سجلات الحياة،بعين واحدة وذراع مبتورة وغرزة سكين أو حربة في أعلى الوجه أو الخاصرة،وبقي هؤلاء فوق مقاعدهم الوثيرة،يحتسون أكواب متتالية من”المليسة”والوعظ بضرورة الحفاظ على السلمية والصمود،وفهموا أن النضال السياسي،هو الشكل المبتذل من الإرشادات التربوية للأبناء في فترة المراهقة،كتجنب وضع الساق على الساق،والسعال في حضور كبار السن….

رغم ذلك لا يكفون من الحديث عن ثورتهم،كما يتحدثون عن سياراتهم ومكاتبهم والمناديل القماشية التي يتمخطون بها لحظة يقترب منهم واحد من العامة برائحة ثيابه وعرقه الجاف،لا نطالب هؤلاء بما هم عاجزون عن تنفيذه،ولكن من حقنا مطالبتهم بالتوقف عن الكذب والهراء،وتذكيرهم بالأيام العشرة التي هزت العالم،لابتلك الطبول والصنوج والرقص والتصفيق الذين تهزّ خصر العوالم.والأنكى عندما يرفعون صوتهم الإتهامي،بكون هناك من سرق،سرق شيئاً ما،نخاله لوهلة كأس المليسة الدافئ الذي لم يبرح طاولاتهم الخشبية الواسعة،لا،هناك من سرق ثورتهم!!ولكن هل كان لهم ثورة في مستوى الوعي أو الممارسة أو حتى الخيال السحري حتى تسرق أو يقتبس منها.ما من ثورات محجبة عبر التاريخ،الذي يتحجب هم النازيون ومن ينام في أحضانهم.يسند الثوار ظهورهم على حائط مهدم،كما أسنده أندريه مالرو قبلهم على متاريس الثورة الإسبانية ليكتب عن المخطط الثوري:الأمل والقيامة وتنظيم القيامة.

عزيز تبسي حلب نيسان 2013.

خاص بمواطنة

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة