35 views

سوريا بدها حنية! ـ ميشيل كيلو

لفتت نظري في الآونة الأخيرة تلك الثروة من الأفكار الذكية والمفردات الرائعة التي بلورها خلال الثورة أناس لم يسبق لأحد منا أن سمع بأسمائهم، وصاغها سكان قرى وبلدات كنا نجهل وجودها، ونظن أن مجهولي الهوية الذين يعيشون فيها يفتقرون إلى الثقافة والوعي السياسي، وربما إلى حس الدعابة أيضا، فهم على الجملة فلاحون خشنون أبناء أرياف نائية، بعيدة عن المناطق التي تصنع الأحداث أو تعيشها.

لكنني وقعت قبل أيام على صفحة في «فيس بوك» وضع صاحبها لها شعارا يقول «سورية بدها حنية»، وهي جملة خلت أنها تكمل الجملة الشهيرة والرائعة التي أطلقها مجهول آخر أبرزته الثورة هو شهيد الحرية إبراهيم القاشوش، التي قالت: «سورية بدها حرية». من الجلي أن الجملة الأولى تتلاعب بكلمات الثانية، دون أن تتنازل عن مطلبها، الذي هو الحرية، وأنها تضيف إليها بعدا إنسانيا يعبر أفضل تعبير عن واقع حال السوريين، الذين عوملوا بطرق مفعمة بالفظاظة والقسوة، حذفت مطلب الحرية من قاموسها وما يدخله إلى علاقات البشر من تراحم وتواصل، بحيث صار من الضروري تذكير الناس بهذا البعد الإنساني والأخلاقي من أبعادها، والمطالبة بـ«الحنية» باعتبارها جزءا من مطلب الحرية، بعد أن حرم الشعب خلال نصف قرن من أي مظهر من مظاهر التعاطف السلطوي معه، وتعرض لوحشية لا تبررها سياسة أو مصلحة، ووجد البشر أنفسهم في عالم عبثي ينكر حتى حقهم في الوجود، لا مكان لهم فيه ويستخدم ضدهم كل ما بحوزته من مستلزمات الهمجية، التي يوظفها ضدهم في جميع أماكن عيشهم، وحتى في معازلهم الجبلية النائية، التي ظنوا أنها تضعهم خارج قبضة العنف، وها هم يكتشفون أن حكامهم خصوا كل واحد منهم بصاروخ يحمل أطنانا من المتفجرات، وزنه 11 طنا، وينقض عليهم بسرعة تعادل 6 أضعاف سرعة الصوت، ليقتلعهم من جذورهم ويبددهم ويجعلهم هباء لا يترك وراءه أثرا.

يحدث هذا لمن تطاله كذلك المدافع والرشاشات والبنادق والراجمات، وتسحق بيته وأرضه وأدواته الزراعية وممتلكاته الدبابات والجرافات، ويعتقل أولاده وبناته مقتحمو قراه الذين يروعونه ويقتلونه بحجة أنه إرهابي ينضوي في عصابة مسلحة، مع أن بعض هؤلاء كثيرا ما خرجوا والدموع في أعينهم، التي رأت أن القوم لم يكونوا غالبا مسلحين، بل مسالمون، ولم ينخرطوا في عصابات، وتعرضوا دونما ذنب جنوه لإيذاء مفرط ولا مسوغ له، عرضهم وأسرهم لظلم لا مكان للرحمة أو للتسامح فيه، يبطش بهم لمجرد أنهم طالبوا بالحرية البارحة ويطالبونه اليوم بعلاقة تقوم بين أرحام ومتحابين يسمونها «الحنية».

صحيح أن «سوريا بدها حنية»، وإلا فإن إعادة إعمارها لن تتم، وشعبها الممزق لن يستعيد لحمته، ومدنها وقراها وبلداتها المدمرة لن تسترد ألقها وجمالها، وبشرها لن يبتسموا من جديد، ولن يغنوا للحياة ويفلحوا أرضا أو يرعوا غنما أو يحيكوا ثوبا أو يزرعوا شجرا أو يقيموا جدارا أو يغازلوا حبيبة، أو يشعروا بالابتهاج لأن شمس الله تشرق عليهم وعلى سائر خلقه. «سوريا بدها حنية»، ليكون بوسعها أن تغفر للعالم جريمة صمته على مأساتها، وتجاهله موتها، وسكوته على ما نزل بها من دمار وإذلال، ورفضه مطالبتها بالحرية، مع أنه لا يقلع عن التشدق بها وبضرورة أن تكون لجميع البشر غير السوريين على ما يبدو، وإلا لكانت سوريا على رأس ملفات دول تحدثت عنها يوميا طيلة أكثر من عامين، دون أن تدرجها يوما واحدا على جدول أعمالها، وحين بدأت تتعامل معها جديا في الآونة الأخيرة، حولتها إلى قصة إرهاب، كأنها ترفض رؤية الظلم الواقع على شعبها الذي لم يمارس الإرهاب ولم يشارك فيه ولو مرة واحدة، أو كأن قتله مسألة مقبولة بحجة أن موقفه ليس على المزاج!

يبدي السوريون قدرا هائلا من «الحنية»، بعضهم حيال بعض. لولا «حنيتهم» لما كانوا صمدوا خلال هذه الحرب الضروس التي تشن عليهم بلا حدود أو قيود. ولولا «حنيتهم» لما بقي الملايين منهم أحياء، ولولاها لما وجدوا طعاما ودواء، ولما عمل مئات آلاف الشابات والشبان ليلا ونهارا في الإغاثة، وعرضوا أنفسهم لخطر الموت بالرصاص أو تحت التعذيب، وتركوا كل شيء وكرسوا حياتهم لخدمة أناس لا يعرفونهم، ولم تكن لهم علاقة معهم في أي يوم قبل الثورة. أخيرا، لولا «حنية» وتراحم السوريين لنشبت حرب طائفية/ أهلية استمات النظام لإشعال نيرانها في كل مكان، ولكانت سوريا اليوم قد غدت أثرا بعد عين.

«سوريا بدها حنية»: سوريا ستكون أكثر الدول حنانا على البشر، لأن الظلم والقسوة القاتلة علماها معنى وأهمية «الحنية»، ولأنها ستنجو بجلدها وتدافع عن نفسها بفضل «حنية» لا حدود لها، يعوض السوريون بعضهم بعضا بواسطتها عن فظاعة وإجرام عالم يسعد بموتهم!

«سوريا بدها حرية» تعني اليوم «سوريا بدها حنية»!

   8 مايو 2013 ـ جريدة الشرق الاوسط

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة