115 views

بين ثقافتين… ـ رشيد بوطيب *

أحد أهم المفاهيم التي يطرحها يورغن هابرماس في سياق مناقشته لمسألة الاعتراف في الدولة الديموقراطية، مفهوم القدرة على التحول الذاتي. إن دولة الحق والقانون في نظر الفيلسوف الألماني ليست عمياء أمام الاختلافات الثقافية، كما أنها ليست عمياء أمام الــــوارق الاجتماعية. ولهذا، فإن كل نظـــرية للحق، مفهومة في الشكل الصحيح، تتـــطلب أيضاً سياسة للاعتراف بالأفراد وثقافاتهم وحماية هوياتهم. ولهذا السبب لا تحتاج الدولة الديموقراطية إلى التنصيص على حقوق جمعية أو ثقافية.

لكن ماذا عن مفهوم قوة أو قدرة ثقافة ما على التحول الذاتي، الذي طرحه هابرماس في هذا السياق، وأعني في سياق رده على الفيلسوف الكندي تشارلز تيلور؟ إن كل ثقافة تطلب لنفسها البقاء في عالم اليوم، لا بد من أن تتوافر على هذه القدرة، يقول هابرماس، ويرى أن حتى ثقافات الغالبية لا تحافظ على حيويتها إلا عبر مراجعة مستمرة وصارمة لأسسها وعبر قدرتها على اجتراح بدائل جديدة وانفتاحها على ثقافات أخرى، وبلغة أخرى عبر قدرتها على التعلم المستمر. فالثقافة لا تُختزل في أصولها، والمثقف «خائن» أبدي، فهو لا يتورع عن إعادة النظر في هذه الأصول وفاءً لثقافته، أو وفاء لاستمراريتها وليس لجمودها. إن مضمون المفهوم نفسه يتردد صداه أيضاً في سياق مناقشة هابرماس للمسألة الدينية، إذ يؤكد ضرورة أن يترجم الخطاب الديني مضامينه إلى لغة العقل أو إلى لغة دنيوية، تواصلية. إن فعل الترجمة مرتبط لا غرو بالقدرة على التحول الذاتي، أي القدرة على الانخراط في عالم اليوم وما يتطلبه ذلك من قدرة على التواصل. فالتحول السريع الذي تشهده المجتمعات المعاصرة، يقول هابرماس، يعصف بأشكال الحياة والتفكير الجامدة، ولا يمكن أي ثقافة أن تستمر إذا لم تكن منفتحة على النقد، بل ومستعدة للتضحية بقيم توجبها روح العصر. إن هابرماس لا يجد حرجاً في تأكيد كلام الأميركي راولز وهو ينتقد رؤى العالم الأصولية، كرؤى دوغمائية، لا تسمح بالتفكير ولا بالتواصل مع رؤى العالم الأخرى، إنها لا تترك مكاناً لـ «الخلاف العقلاني».

يتحدث هابرماس هنا عن المجتمع الديموقراطي المتعدد الثقافات، لغته وفكره هما أيضاً أبناء هذا المجتمع وهذه الثقافة التي لم تتورع يوماً عن إعادة النظر في الأصول. لكن ماذا عن الثقافة السياسية العربية الراهنة؟ هل تملك هذه القدرة على التحول الذاتي؟ أم هل من إرهاصات تشير إلى ذلك؟ لن أبالغ إذا اخترت في هذا السياق طريق التفاؤل لا طريق التشاؤم، فالانتفاضات العربية وعلى رغم ما أفرزته من تناقضات وانتكاسات، تؤكد على الأقل أن المجتمعات العربية تعيش صراعاً بين ثقافتين، ثقافة ترى أن لا سبيل أمامنا للاستمرار من دون تحول، وبلغة أخرى من دون ثورة ثقافية وسياسية واجتماعية، وثقافة ترى في الحفاظ على الوضع القائم، السياسي منه أو الثقافي أو هما معاً، حفاظاً على الاستقلال الذاتي. لكن رب سائل: أي استقلال هذا الذي امتهن كرامة الإنسان وحاربه في لقمة عيشه وضيّع مستقبل أجيال بأكملها؟ ألا يتطلب الاستقلال الذاتي تحولاً ذاتياً ومقدرة مستمرة على اجتراح بدائل جديدة أكثر استقلالية؟ إن الصحوة التي يعيشها المجتمع المدني اليوم في دول عربية عدة لهي شاهد على أن الثقافة السياسية العربية اختارت طريق التحول، مدركة أنه الطريق الوحيد الذي سيسمح لها بتجاوز إرث الديكتاتورية الثقيل واللحاق بالشعوب المتمدنة.

* كاتب مغربي

الحياة ـ ٨ مايو ٢٠١٣

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة