56 views

النبطية قلعة "حزب الله"… تحدّيات السياسة والتعايش في زمن الثورة والأزمة السوريّتين ـ حازم صاغيّة وبيسان الشيخ

بعد أن تناولت حلقة الأمس نشأة القبضة الحديد لـ «حزب الله» في مدينة النبطية ومحيطها والذين يشاغبون عليها، هنا التتمّة الأخيرة:

ما يزيد البَرم الصامت لأهل النبطيّة بسلطة «حزب الله» وحركة «أمل» تلك المحاصصة بينهما التي لا تكلّ عن العمل.

فمعروفٌ أنّ الحساسيّة التي تربط كلاًّ من الطرفين بالآخر هي ما لم يبدّده اتّفاق الأمر الواقع الذي توصّلا إليه أواخر الثمانينات من القرن الماضي. وفي المنافسة مع الحزب، بقدراته الماليّة الإيرانيّة المصدر وبطاقته الإيديولوجيّة والتعبويّة النشطة، راهنت الحركة على اعتصار المؤسّسات، العامّة منها والخاصّة. وثمّة أكثر من إشارة إلى أنّ الحزب، ربّما بسبب الأزمة الماليّة في إيران المحاصَرة وتراجع معوناتها، شرع ينافس الحركة، بعد طول ترفّع، في مجالها هذا.

الثقافة المحرّمة

وعلى العموم، غدا معظم المؤسّسات الخاصّة والعامّة اليوم في أيدي أشخاص من محيط الحركة والحزب، حيث يُعدّ مَنح العمالة والخدمات لحمةً مضمونة تربط المانح بجمهور واسع كما تستقطب المتردّد والمتحفّظ. يكفي، وهذا مجرّد مثل غير حصريّ، أنّ فاتورة الألف دولار في المستشفى الحكوميّ تصبح للمريد والتابع 200 دولار فيما يعفى منها الحزبيّ بشكل كلّي.

والمحاصصة وما يتأتى عنها من حصر الوظائف في الحزبين، لا سيّما أمل، تعطّل عمل المؤسّسات في النبطيّة، كما توسّع، في طبيعة الحال، الفجوة القائمة بين الكفاءة وفرصة العمل.

لكنْ لئن تركت هذه التطوّرات آثارها على نوعيّة الحياة، فأوضح ما يشهد للانحدار هو الحياة الثقافيّة التي استطاعت الحفاظ على نفسها ونشاطها حتّى إبّان الحروب الأهليّة السابقة. فاليوم تكاد محاضرات «مركز الإمام الخمينيّ» تختصر الحيويّة الثقافيّة لمدينةٍ مُنع الكونسرفتوار اللبنانيّ من أن ينشئ فيها مقرّاً لتعليم الموسيقى. صحيح أنّ نائب النبطيّة الوزير ياسين جابر وبعض الذين يمثّلون حركة أمل في بلديّتها يهرّبون أحياناً، ومن وراء ظهر الحزب، سهرة أو أمسية أو مهرجاناً أو تكريماً لواحد من «أعلام المدينة»، لكنّ الثقافة الجديدة تبقى، في متنها العريض، امتداداً للتعبئة الدينيّة والحزبيّة المتزايدة الحضور في الحياة اليوميّة. وهذه متعدّدة المستويات والتعابير، بحيث أنّ طرق السلام والتحيّة المألوفة اختفت أو كادت، وفق أحدهم، فيما تولّت «السلام عليكم» طرد «صباح الخير» والـ «مرحبا» من التداول العامّ.

نوعيّة الحياة

وقد ضاقت كثيراً، حتّى كادت تنعدم، فسحات السهر المختلط التي استمرّت حتّى أواخر التسعينات. وليس صدفة بالتالي أنّ روائيّة من النبطيّة، هي علويّة صبح، كانت من سجّل في روايتها «مريم الحكايا» تدهور أحوال النساء في مناخات الحروب والتعبئة ونكوصهنّ نحو التديّن والطائفيّة.

وفي المقابل، خفت بريق «حزب الله» في السنوات الأخيرة، وتراجع بالتالي تعويضه الأخلاقيّ عن أشكال البؤس الواقعيّ. ففي حرب تمّوز (يوليو) 2006 «لم يفقد أحد شيئاً من بيته… لقد حافظوا على بيوتنا بينما كانوا يقاومون إسرائيل». لكنّ مال التعويضات المتدفّق ما لبث أن نمّى جمهور «حزب الله»، لا بوصفه «مقاومة نؤيّدها كلّنا»، بل بوصفه فئة تُخضع السياسيّ للدينيّ. وبدوره، طرأ نموّ عمرانيّ هائل بين 2006 و2012 بسبب أموال التعويضات التي تكفل بها الحزب، ما رفع أسعار العقارات كثيراً. هكذا وُزّع المال بحجّة إعادة التعمير وأيضاً لإسكات الأصوات المتململة، فدخلت كميّات هائلة منه بلا رقيب عليها أو حسيب، كما نشأ أثرياء جدد هم واجهات ماليّة لـ «حزب الله» وممتلكاته، حتّى بات البعض يهمس ساخراً بأنّ الحزب بات «شركة نصر الله». وبالفعل لم يكن لإفلاس صلاح عزّ الدين، ثمّ فضيحة الادوية المزورة التي ارتبطت بعبداللطيف فنيش، شقيق الوزير الحزب اللهيّ محمّد فنيش، إلاّ رفع جرعة السخرية الهامسة تلك.

غير أنّ تلطّخ الصورة الأخلاقيّة لم يحل دون المضيّ في حملة أخلاقيّة مباشرة تارةً ومداورة طوراً. فالذين آثروا، من المسلمين الشيعة، المضيّ في بيع المشروبات الكحوليّة، عُرّضوا لمقاطعة دكاكينهم ومخازنهم، ما جعلهم يعيدون النظر في قرارهم ذاك. أمّا نادي الشقيف مثلاً، والذي كان له في السابق دوره الثقافيّ والاجتماعيّ البارز على نطاق الجنوب كلّه، فوضعت حركة أمل يدها عليه واستمرّ يقدّم المشروبات الكحوليّة وتُحيى فيه أماسٍ راقصة. إلاّ أنّ وقوع النادي في عجز ماديّ حمل «حزب الله»، من خلال أحد أفراده المتموّلين، على أن يضمن الكافتيريا، وعلى هذا النحو مُنع المشروب والرقص.

وقد حصل شيء مشابه مع «قصر الملوك» الذي «أنقذته» أيضاً أموال «حزب الله» فكفّ عن تقديم الخمر الذي بات ينحصر بيعه في دكاكين قليلة ومتناثرة، أهمّها يملكه شيوعيّ، من غير أن يأمن أصحابها خطر التفجير. أمّا الذي يريد أن يشرب بأمان، فعليه التوجّه إلى قرى وبلدات مسيحيّة في الجوار. وهذا، بدوره، انقلاب آخر، إذ يتذكّر مَن هم فوق الأربعين من النبطانيّين أنّ أهل المنطقة كلّها كانوا يتزوّدون بالخمر من دكّان سليمان بو رعد الذي جاء دركيّاً من عمّاطور إلى النبطيّة فاستقرّ فيها وسمّى نفسه «أبو محمود».

سوريّة… والسياسة الصعبة

لقد ظلّت السياسة عملاً سهلاً على «حزب الله» حتّى اليوم. فابتداءً بانتخابات 1992، حين شُطب كامل الأسعد من المعادلة بخليط من تجاوزه الطبيعيّ ومن الابتزاز المنظّم للوائحه ومرشّحيه، تربّع «حزب الله» وحركة «أمل» في صدارة تمثيل الجنوب، يحتكرانه ويوزّعان فُتاته على من يرضى بالتبعيّة والإذعان. ثمّ جاء التحرير في 2000 ليجعل انتخابات 2005 ربحاً صافياً لا يرقى إليه الشكّ، وبعده جاء «النصر الإلهيّ» في 2006 ليزيد في صفائه الذي شهدت عليه انتخابات 2009.

لكنْ يبدو أنّ القضايا ذات الربحيّة السهلة تراجعت اليوم فيما بدأت الصعوبات تحفّ بالسياسة. وهذا، على ما يبدو جليّاً، بعض نتائج الثورة السوريّة وتورّط «حزب الله» القتاليّ في القصير وحمص وربّما سواهما.

فأنت تسمع من النبطانيّين، المؤيّدين له والمعارضين، تنويعات على الحجج التي ساقها «حزب الله» تبريراً لتورّطه: من الدفاع عن الشيعة اللبنانيّين المقيمين داخل الأراضي السوريّة إلى الدفاع عن مقام السيّدة زينب في دمشق، ومن تأمين طريق المقاومة وسلاحها الآتي من إيران كي لا تضعف أمام إسرائيل إلى ضرورة القضاء على التكفيريّين هناك كي لا يقضوا هم «علينا» هنا. وثمّة من يربط أداء «الواجب الجهاديّ» بإملاءات ولاية الفقيه، مستنتجاً أنّ المشاركة في القتال «فوق النقاش»، وثمّة أيضاً من يتحدّث عن بدء ظهور منظومة الغيبيّات والسحريّات في بيئة الحزب، وأنّها تتّخذ شكل علامات وإشارات وأخيلة تبرّر الانخراط القتاليّ وتحدّد مواعيد الانتصارات المقبلة.

والحال أنّه منذ سنة تقريباً بات بعض الشبّان يتغيّبون عن مدارسهم مدّة شهر أو أكثر، من غير أن يدري بأمرهم أهلهم الذين يحضر بعضهم إلى المدارس للسؤال عنهم. وحين يعود التلاميذ يجيبون سائلهم في المدرسة أنّهم كانوا «في دورة»، بينما يطلب بعضهم عدم نقل الخبر إلى الأهل.

صحيح أنّ ثمّة درجة بعيدة من الإجماع بين مردّدي الحجج هذه، غير أنّ تعدّد الحجج وتفاوتها في تبرير «الواجب الجهاديّ»، وخلال فترة قصيرة نسبيّاً، يبثّان ضعفاً ملحوظاً في منطق قائلها. فحين نضيف تزايد أعداد القتلى من شبّان «حزب الله» ويافعيه، وكون حمص والقصير لا يقعان في المخيّلة «العامليّة» كما رعاها الحزب طوال عقود ثلاثة، يرتفع احتمال التدرّج من تململ صامت إلى تململ ناطق.

تعزّز هذا الافتراضَ صعوبة أنّ يأتيهم «حزب الله» بنصر حاسم وساطع من سوريّة، هو الذي بنى مجده على ما رسمه من انتصاراتٍ حاسمة وساطعة لا يكفّ عن إحرازها. وهذا جميعاً ما قد يفسّر تكتّم الحزب، أقلّه في المراحل المبكرة لتورّطه العسكريّ، على شهادة شهدائه، «ومتى – على ما قال أحد أكثر نقّاده جذريّة – كان حزب هو حزب الشهداء يمتنع عن التباهي بشهدائه؟».

لكنّ تأثيرات الأزمة السوريّة لا تقف هنا. ففي الجنوب، كما في كلّ لبنان، يتكاثر عدد اللاجئين السوريّين الذين يعيش معظمهم في ظروف شديدة البؤس وفي شروط سكنيّة شديدة الاكتظاظ. أمّا العدد الشائع فهو خمسون ألفاً في مدينة النبطيّة وحدها، كلّهم تقريباً من السنّة، وغالبيّتهم من درعا.

ويقول نبطانيّون إنّهم باستقبالهم السوريّين «يردّون الجميل»، قاصدين استقبال السوريّين للجنوبيّين النازحين في حرب 2006، كما يبدي بعضهم التذمّر الذي بات يُسمع في مناطق مختلفة من لبنان لأسباب تتعلّق بالعمالة الرخيصة أو بالسرقات.

في الأحوال جميعاً، فالشائع أنّ «حزب الله» وحركة «أمل» قدّما بعض المساعدات الغذائيّة والصحّيّة للاجئين السوريّين في مناطق نفوذهما. بيد أنّ طول الأزمة السوريّة وازدياد تورّط الحزب في سياسات القتل هناك قد يجعلان الاحتكاك خطيراً في الجنوب، بما فيه النبطيّة، بحيث تعجز تلك المساعدات عن ضبط العلاقة بين جيش قائم وجيش محتمل القيام!

أيّ تعايش؟

ليس في النبطيّة أقليّات طائفيّة أو مذهبيّة وازنة. هناك أرمن لم يعد منهم أحد هناك، وهناك سنّة يُقدّر عددهم بألف، هم فلسطينيّو الأصل تجنّسوا. صحيح أنّ المرشّحين إلى النيابة يزورونهم في المواسم الانتخابيّة طلباً لأصواتهم، إلاّ أنّ أحداً منهم لا يستجيب مطلبهم البسيط: ذاك أنّ هؤلاء لا يملكون مقبرة خاصّة بهم، ما يدفعهم إلى تكديس موتاهم جثّةً فوق جثّة، إذ المقبرة الإسلاميّة الوحيدة موقوفة على شيعة النبطيّة وحدهم، لا تتعدّاهم حتّى إلى شيعة المناطق الأخرى.

أمّا المسيحيّون فهم ذوو وجود تاريخيّ قديم في النبطيّة. وكثيراً ما يقال إنّهم لم يتعرّضوا لأيّ أذى أو مضايقة، وإنّ «حزب الله» دفع تعويضات للذين منهم تضرّرت منازلهم في حرب 2006. هكذا يمضي المسيحيّون في احتفالاتهم ومناسباتهم الدينيّة كما دأبوا عليها، متمتّعين بمختار لحارتهم وبعضو يمثّلهم في المجلس البلديّ. لكنّهم، وهذه سمة لازمة في العلاقات الذمّيّة، لا يتدخّلون بتاتاً في السياسة. ففي الستينات والسبعينات انتسب بعض شبّانهم إلى الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ، وأقلّ منهم إلى الحزب الشيوعيّ. غير أنّهم اليوم، وفي ما يستدعي المشهد القبطيّ في مصر، «لا يفعلون إلاّ ما تقوله لهم الكنيسة» التي يعود بناؤها إلى 1902.

فوق هذا، أقيم قبل سنوات ثلاث «مصلّى السيدة مريم» على تخوم حارتهم المتفرّعة عن السوق، ما حدا بهم إلى الطلب من ميشال عون أن يتدخّل لدى حليفه «حزب الله» لإبعاد المصلّى قليلاً. وبالفعل أُنزل مكبّر الصوت الذي كان موجّهاً إلى الحارة، لكنّ المصلّى إيّاه ما لبث أن وُسّع وزُيّن بالحجر.

ثمّ إنّ حارة المسيحيّين التي هي واحدة من أربع حارات تتشكّل منها المدينة تقليديّاً (حيّ السراي، حيّ المسلخ، حيّ البياض)، شهدت انخفاضاً سكّانيّاً، اتّخذ منحى تدريجيّاً. ذاك أنّ الحارة التي ضمّت في 1976 أكثر من 65 بيتاً، استقرّ اليوم عدد قاطنيها على أقلّ من مئة شخص. فحين حدّثنا نبطانيّ «أصليّ» عن مرارة التحوّلات التي تشهدها مدينته، استعاد قولة شعبيّة تفيد أنّ «الحيّ بلا نصارى… خساره». لكنّه، بعد برهة صمت وانكفاء على النفس، سألنا: «هل تعرفون أنّ معين جابر، رئيس بلديّة النبطيّة حتّى وفاته في 1995، تعرّض للخطف على أيدي الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين وإسرائيل وأمل والجيش السوريّ؟ إنّ قصّته تلخّص أحوالنا».

9/5/2013 – الحياة

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة