51 views

مؤتمر جنيف 2 حول سوريا بين رؤيتين متناقضتين: "طائف" سوري أو تعويض عن العجز الدولي ـ روزانا بومنصف

سيتعين على الولايات المتحدة خلال الايام والاسابيع المقبلة بذل الكثير من الجهد لاقناع المعارضة السورية ومن يدعمها من الدول الاقليمية بأنها لم تتخل عنها لمصلحة تنازلات قدمتها لروسيا ويستفيد منها النظام السوري ورئيسه بشار الاسد. فصدقية الولايات المتحدة على صعيد دعم حلفائها في المنطقة او من يمكن اعتبارهم كذلك راهنا كما هي الحال بالنسبة الى المعارضة السورية معدومة كليا على غير ما هي صدقية روسيا التي اثبتتها من خلال عدم تغيير موقفها الداعم للنظام على رغم المجازر التي ارتكبها طوال سنتين من عمر الازمة السورية. واعلان موسكو لدى زيارة وزير الخارجية الاميركية جون كيري اليها انها غير متمسكة بالاشخاص في اشارة الى احتمال تخليها عن الاسد لا يعتد به، نظرا الى ان هذا الموقف الروسي ليس جديدا بل كرره الروس منذ التوصل الى اتفاق جنيف في حزيران 2012 لكنهم واصلوا دعمهم للاسد من دون تغيير موقفهم منه قيد انملة. وقد سارع وزير الخارجية الاميركي فور انتهائه من زيارته لروسيا ولقائه كبار المسؤولين فيها ووصوله الى روما الى توجيه رسائل بهذا المعنى نتيجة انطباعات تركتها تصريحاته في موسكو، وبعد مدة انتظار فرضها عليه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل استقباله، في تكرار يعيد الى الواجهة ما كان يقوم به الرئيس السوري حافظ الاسد مع زواره ايضا. فاعلن كيري “ان الاسد لا يمكن ان يشارك في حكومة انتقالية”. كما تم ابراز زيارة السفير الاميركي في دمشق روبرت فورد الى مناطق سورية تسيطر عليها المعارضة على انها عدم تبدل في الموقف الاميركي، ومن اجل اقناع المعارضة بالمشاركة في المؤتمر الدولي المزمع عقده “لكي لا يفوتها القطار”. وهذه مهمة غير سهلة نظرا الى عدم اقتناع المعارضة في الاساس بالاتفاق الذي تم التوصل اليه في جنيف في حزيران من العام الماضي لكونه ابقى الهامش واسعا امام تكهنات وتفسيرات حول مصير الرئيس السوري، فبقي غامضا في هذا الشأن، الامر الذي تحتاج معه واشنطن الى الكثير من اجل اقناع المعارضة برؤيتها الى مصير الاسد وعدم تخليها عن مطلبها بان يرحل عن الحكم.

ما تتفق عليه الاراء بعد ايام على لقاءات كيري في موسكو والاتفاق الاميركي الروسي من اجل الدفع نحو آلية تنهي الازمة السورية تتم ترجمتها في مؤتمر دولي جديد ان هذه اللقاءات والمؤتمر المنتظر انعقاده لن يوقفا آلة القتل الجارية بكل اشكالها في سوريا في المدى المنظور، بل على النقيض من ذلك، اذ يخشى حصول تصعيد غير مسبوق للقتال، خصوصا ان النظام يعتبر انه كسب ميدانيا واستطاع ممارسة التهديد فعلا في اتجاهين. احدهما هو المجازر التي ارتكبها في بانياس وتسعيره المخاوف من دفعه نحو تقسيم سوريا، والثاني هو توظيفه الاعتداء الاسرائيلي ودخول “حزب الله” من اجل التخويف من حرب اقليمية باتت تشمل اسرائيل.

اما ما تختلف عليه هذه الاراء فهو الانقسام الجذري في الرؤية الى المؤتمر على انه منعطف سيكون جذريا بالنسبة الى الازمة السورية ام مؤتمر جنيف آخر كما الذي سبقه. وفي ظل صعوبة كبيرة لضمانات او عوامل طمأنة، فان اصحاب الرأي الاول يعتبرون ان المؤتمر اشبه بمؤتمر الطائف الذي انهى الحرب الاهلية في لبنان، خصوصا ان المطالبات الاساسية كانت تنصب على ضرورة اتفاق اميركي روسي في الدرجة الاولى. وتاليا يستغرق الاعداد لمؤتمر مماثل وقتا وكذلك التمهيد لنتائجه، بما معناه ان جميع المعنيين سيحجزون لهم مقعدا في القطار الذي سينطلق من محطة جنيف الثانية كما فعلت ايران وتفعل منذ بعض الوقت، مباشرة او عبر “حزب الله” من أجل جعل تدخلها في الازمة السورية امرا لا يمكن تجاهله، من دون ان تكون شريكة في معادلة ايجاد حل للازمة السورية كما في دعم موقع حليفها الرئيس السوري للحؤول دون تخطيه ايضا. الا ان ذلك لن يعني سوى المزيد من تصاعد القتال في المدة الفاصلة عن موعد انعقاد المؤتمر وخلاله ايضا، تعزيزا للمواقع على ما يجري على النطاق الاقليمي والدولي، وتحقيقا لانتصارات على الارض من شأنها ان تعدل موازين القوى على طاولة المفاوضات. اذ ان واشنطن اعادت في الساعات الاخيرة تأكيد وجود اثباتات على استخدام النظام السلاح الكيماوي، في حين أعلنت روسيا انها في اخر مراحل تسليم النظام السوري صواريخ ارض – جو بذريعة انها تعود لعقود ماضية. واصحاب هذا الرأي يقولون بان الجميع في مأزق يحتاجون الى الخروج منه، بمن فيهم ايران التي تملك اوراقا تفصيلية عن الحل في سوريا والمستعدة لأن تشارك الاخرين فيه. فيما اظهرت تفاصيل زيارة وزير الخارجية الاميركي لموسكو مرونة اميركية في بعض المواضيع الخلافية لاسيما في مسائل داخلية يحرص الروس على ابقاء الولايات المتحدة بعيدة عنها. فضلا عن الاقرار الاميركي بدور روسيا مما خلق ارتياحا لدى بوتين سمح بالتجاوب في الموضوع السوري. وتفيد معلومات هؤلاء ان آلية الحل السوري ستلحظ وقفا للنار يرجح أن ترعاه قوى دولية وتشرف على عدم خرقه ووضع الية حوار سياسي يترجمه تأليف حكومة انتقالية.

اما الرأي الاخر فلم ير جديدا فعليا في المؤتمر الدولي الذي ترغب فيه واشنطن نظرا الى الضغوط التي واجهت ادارة الرئيس باراك اوباما في مسألة عدم رغبته في التزام تنفيذ ما يتطلبه احترام النظام السوري “الخط الاحمر” الذي رسمه اوباما حول استخدام النووي، فضلا عن التهديدات والمخاوف من اتساع الحرب السورية لتشمل المنطقة مع الضربتين الاسرائيليتين لمواقع في العاصمة السورية قيل انها استهدفت صواريخ متطورة كانت ستنقل الى “حزب الله”، إلى جانب عدم رغبة واشنطن فعلا في تسليح المعارضة لاحتمال أن تذهب الاسلحة الى جهات متطرفة. فالمؤتمر بهذا المعنى ينقذ واشنطن من مأزق تواجهه على اصعدة عدة، كما ينقذ روسيا من تهمة عرقلة حل سياسي. لكن الشكوك تتناول في هذا الاطار عدم تبدل مواقف الاميركيين والروس وخلافهما على مصير الاسد وموقعه في معادلة الحل، فضلا عن استعداد روسيا للتعاون فعلا وما اذا باتت مستعدة لان تتخلى عن النظام ام لا، وما هي الأسباب لذلك، او ما اذا كانت تستطيع التأثير فعلا في الاسد، علما ان بوتين استفاد ويستفيد من الازمة السورية في الترويج في سوريا وعلى المستوى العالمي من اجل تعزيز منطق استعادة روسيا دورها السابق كدولة عظمى.

12/5/2013 – النهار

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة