38 views

لماذا يتم تأجيل أو إلغاء ‘الضربة القاضية’! ـ مطاع صفدي

عالمية الربيع العربي كونه يستحضر من جديد ثنائية الصراع الكوني بين الشرق والغرب. العملاقان الأمريكي والروسي يُنسّقان مستقبل نفوذ كل منهما إزاء الآخر، عبر إيجاد معادلة الحل للمقتلات السورية. وهي معادلة لكونها جامعة للتناقضات من مقدماتها حتى النتائج التي تفترضها قابلة للتحقق. هذا التوسيع الجيوسياسي لمعضلات الأزمة السورية قد يُضفي عليها طابع الإقرار بكونية معطياتها ومؤثراتها المنتظرة، لكنه في الوقت عينه قد يجعلها في مهب رياح أخرى لا تنطلق من أجوائها وحدها.

كل تدويل لأحداث وطنية محلية أو إقليمية لا يعزلها عن فاعليها الأصليين فقط، بل قد يحولها إلى عكس أهدافها. ولعل أخطر ما في تدويل الثورات إن حدث، هو أن تستولي حكومات أو دول على قرار الثورة التي هي في الأصل إرادة شعبية وعفوية، غالباً ما تكون هذه الحكومات أو الدول لا علاقة لها بالشعب الثائر أساساً، إلا عبر قنوات بشرية وإستخبارية مشبوهة، أو أنها لا تمثل سوى مصالح وتوجيهات السادة الذين انتدبوها كوسائط لا يمكنها أن تعكس أحوال الناس الذين تدّعي أنها تحاول الكشف عنها والتعبير عن حاجاتها الفعلية.

هنالك اختلاف جذري بين ما يعتقده أصحاب الثورة أنهم فاعلون إزاء مصائرهم من خلال النجاح أو الفشل في إنتاج المصير الوطني العام. وبين ما يمكن أن يتصوره الآخرون الخارجون عن طبيعة الحدث، والبعيدون عن جغرافيته وإشكالياته التاريخية. فالذين يعقدون الصفقات ما فوق ظهور الثوار إنما يفترضون مقدماً أن لهم القدرة على فرض آرائهم مهما بلغت حدود التناقض مع بدهيات العمل الثوري. ومن وجهة النظر هذه تستمرئ القوى الدولية المضيَّ دائماً في الاتجاهات المعاكسة لتيارات الواقع المحلي لظروف المعارك الحدية المتغيرة من موقع إلى آخر. ومع ذلك يخترع أصحاب الصفقة، كلُّ من جهته، تلك السيناريوهات شبه الخيالية التي يُراد لها أن تنفذ إلى تفاصيل المشكلات المطروحة، من دون أية عناية واعية بخصوصيتها.

إن عودة عالم اليوم إلى انقسامه الثنائي منذ مخلّفات الحرب العالمية الثانية، سوف يجدّد من سلطة قانون الخطوط الاستراتيجية الكبرى التي تجعل كل ما عداها منضوياً بطريقة ما تحت طيف من أطياف معادلاتها فيما بينها. غير أن هذا القانون لن يلقى أمامه واقعاً عالمياً مستسلماً سلفاً لمبادراته وتحكُّماته. فليست أمريكا أوباما هي أمريكا أيزنهاور مثلاً، وليس ‘وتين هو خروتشوف الاتحاد السو’ييتي. فالبلدان الأمريكي والروسي كبيران ومهمّان، لكنهما لم يعودا العملاقين الوحيدين في الغابة الإنسانية الموحشة.

عالم اليوم تعددي بأوطانه وحضاراته القديمة والمستجدة، ودولُه المتنوعة ليس بالحجوم البشرية وحدها وثقافاتها، بل بأوزانها الاقتصادية، وأدوارها الجيوسياسية المتصاعدة، وحتى بمخزونها العسكري والناري. وقد يبرز عالمنا العربي والإسلامي كواحد من هذه العوامل الكيانية، لكنه غير فاعل فيما هو سواه، بقدر ما هو فاعل في ذاته، كما تقول الفلسفة، وذلك بمعنى أن هذا العالم إنما يفرض كونيته بقدر ما يكون جاذباً لسواه. يكفي أن رمزيْ القوة العظمى الراهنة أمريكا وروسيا يعودان إلى ما يُشبه المراهنة على مركزهما من النفوذ الذاتي/الكوني معاً بناءً على ما يستمدان من طاقة المصالح من مناجم الذخيرة العربية الاستراتيجية.

هذا التدخل الأمريكي الروسي في صلب الحدث الثوري العربي، ومن مفْصله السوري الحالي، فضلاً عن كونه تمهيداً لاستئناف تاريخ جديد لفصول غير نهائية من الحرب الباردة السابقة، فإنه سيكون بمثابة تحريض عصري يستهدف عمق كينونة العرب والإسلام، كيما يستأنفوا كل ما كان فاتهم من الفرص الذهبية في استكمال استقلالهم الكينوني الوجودي، وذلك عبر دياجير النهضة الاستقلالية السابقة الموصوفة بالمغدورة والمخطوفة، بل المهزومة. لكنها تلك الهزيمة النسبية التي إن تمّت مقارنتها بلحظة الربيع العربي الراهنة، تُظهر أن للنهضة جذوةً قد تخبو نارها، لكنها لن تنطفئ. فلو لم تكن هناك نهضة عارمة لكنها مكبوتة، ومجرَّحة بأيدي الأصدقاء، أكثر من الأعداء، لما كان العرب على موعد كوني مع هذا الزلزال الأنطولوجي الذي اسمه الربيع العربي.

نحن نقول اليوم أن أبطال الحرب الباردة الثانية المعاصرة، والمنطلقة ضداً على عواصف الربيع، إنما يتنافسون فيما بينهم على الإمساك بناصية هذا الربيع، لكنهم عجزوا حتى الآن عن تحقيق هذا الهدف، فهم يحاولون، كلٌّ بطريقته طبعاً، الإنخراطَ في أشكالٍ من مهادنة أحداثه، من جعل البعض منها يشتغل لحساب أحدهم دون الآخر. إنهم واهمون؛ وبعضهم يضلّل نفسه والآخرَ معه؛ هم يصرّون فيما بينهم على أنهم قادرون على تجريد الربيع العربي من تحديه المركزي الذي هو تملُّكُه الغريزي من فُجاءة (الضربة القاضية). لذلك قد يتم الاتفاق على إيقاف الثورة السورية، ما بين ‘وتين وأوباما، ما يعني حرمان هذه الثورة من وعدها التاريخي الكبير بإنزال (الضربة القاضية) في لحظتها المرتقبة.

ما يقال عن مؤتمرات واتفاقات وعقْد حوارات، وربما لقاءات ما بين الأضداد، كل هذه تُصنَّفُ تحت باب المناورات الضرورية المؤدية أخيراً إلى إعادة صيغة (الضربة القاضية)، مجرد حنيٍن ماضوي لمشروع لم يكتمل، أو حلمِ طوباوي فاقد لعناصره المادية على الأرض. غير أنه ينبغي التحوّط قليلاً بالإشارة إلى أن هذا التدويل الأمريكي الروسي إن كان توصَّل حقاً إلى قرار ما، بعد طول عناء وصراع، فلن يكون إتفاقاً بين المتحاربيـْن وإن ادّعى هذا الامتياز، بقدر ما هو قرار بمنع النصر عن أحد المتحاربيـْن، بما يعني عنهما معاً، واحتكار النصر بيد السلطة الدولية وحدها. وحول هذه النقطة بالذات سوف يتكون المدخل الاحتفالي الفذ نحو عصر الحرب الباردة الثانية التي ستأتي جديدة ومختلفة عن سابقتها تلك التي حكمت العالم طيلة النصف الثاني من القرن العشرين. وخلال هذه الحقبة وُلدت عشرون دولة عربية، وتمَّ انقيامُ العالم الثالث بكل وقائعه وأساطيره. لكن الحرب الباردة الآتية لن تُحْصر بالوكالتين الأكبرين. هنالك أقطاب كبار ووَسط وعاديون كُثر. عالمُ أمّنا الأرض لم يعد قابلاً للاختزال، يكاد جميع أهلها يصيرون أقطاباً أحراراً في أوطانهم. وما الربيع العربي إلا رمز لربيع العالم الجميع؛ هذا إن كان ثمة مغزى من مستوى استراتيجي انطولوجي، لظاهرة هذا التوافق القطبي، فإن محرّكه الأساسي هو الحيلولة دون أن يتطور ربيع العرب إلى ربيع العالم؛ والدول القطبية الكبرى هي التي أصحابُها صاروا الأشدَّ خوفاً على ممتلكاتهم في عقر ديارهم تلك.

خلال الحرب الباردة الأولى، كان الغرب يكافح رياح الثورة الاشتراكية المنطلقة ضده، وضد ممتلكاته في أنحاء المعمورة من الشرق. أما في الحرب الباردة القادمة، فسوف يكون لكل مجتمع موسمه الربيعي، نابعاً من طقس تاريخه ومجتمعه الخاص. فما يكافحه الغرب ليس هو مبدأ تعميم الثورة في قارة العرب والإسلام وحدها، وهو مبدأ برهن أنه ساري المفعول ومتخطياً كل الحدود والخرائط المصطنعة، والمهترئة من حوله، بل ما يخشاه مُلاّك الغرب العمالقة هو استنفاد مبدأ الحلول الموصوفة بالوسطية أو التقنية لمشكلات مجتمعاتهم.

فإن فلسفة (الضربة القاضية) في السياق الغربي قد تُقابل لديهم مفهومَ جفاف نُسْغ الحضارة في شجرتهم الهرمة. هذه العلة أمست أشبه بعاهة ميتافيزيقية، لأنها مستنفدة لكل علاج عقلي أو تقني، ولذلك عندما يعزم بعض هذا الغرب على وقف المقتلات الرهيبة في أرض الشام أخيراً، وبعد أبشع فصول الفظائع المرتكبة بحق أبرياء البشر من النساء والأطفال والشيوخ، وبعد التدمير المنهجي لمعالم الحضارات الشامية التليدة. عندما يقرر (التدويل) وقف القتل، هذا لا يعني في ثقافته (العسكرية) معاقبة القتلة.. إلا رمزياً إن حدثت ذات يوم.

ذلك أن الاستبداد الدمشقي لم يكن يقاتل، بل يقتل فحسب. فأية إتفاقية هدنة أو سلم أو مشروع تفاوض أو حوار، يمكنه أن يتغافل عن حقوق عشرات أو مئات الألوف من القتلى والجرحى والمهجرين والمغتربين في أرض الوطن والمنفى معاً. إنها ليست جرائم حرب، ولا هي جرائم في حق الإنسانية فحسب. إنها ستكون من نوع الجرائم المنسية التي ليس لها من صوت سوى صمت القبور…

 القدس العربي ـ  MAY 12, 2013

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة