33 views

هدف واحد في وقت ضائع: فصل لبنان عن القاطرة السورية ـ عزت صافي

شيء من أدب «الرومانسية» السوداء: إنه «الربيع» العربي الرابع يعود باعثاً أسراب طيوره محلّقة فوق برك الدم.

لقد طالت المسيرة على درب الجلجلة، وما على القمة علامة نهاية، وليس في الأفق هلال قريب.وفي الذاكرة جملة منسوبة إلى لينين: الثورة هي قاطرة التاريخ.

بالتأكيد كان لينين يقصد الثورة البولشفية التي قامت في عام 1917، وهي الثورة التي استولت على قطار إمبراطورية القياصرة الروس، ثم انطلقت بالقاطرة في اتجاه معاكس، وراحت تصنع تاريخ الإمبراطورية السوفياتية.

لم يكن في حساب لينين أن الإمبراطورية البولشفية ستهرم وتشيخ، كما كانت حال قادتها في الكرملين. فقد عاشت الثورة ثلاثة وسبعين عاماً، وصلت خلالها إلى جميع أصقاع الأرض، ثم انهارت في بضعة أسابيع، لتعود روسيا جمهورية من دون أتباع خارج حدودها.

ولم تكن الثورة البولشفية فاتحة عصر نهضة الشعوب في مثلث العالم الأوروبي – الآسيوي – الأفريقي، فقد سبقتها الثورة الفرنسية بمئة وثلاثين عاماً، وبعدها راحت شعوب أوروبا تغربل قادتها حتى اهتدت إلى طريق الحرية والديموقراطية والمدنية، وصولاً إلى علمانية الدولة. وإذ كانت تلك الحقوق الطبيعية محرّمة على شعوب أخرى، فالحقيقة تقتضي الاعتراف بأن مبادئ الديموقراطية والمدنية تسرّبت إلى الشعوب العربية عبر الاستعمارين الفرنسي والبريطاني. مثل هذه الحقيقة لا تنتقص من حضارة العرب، ومن قيمهم الإنسانية، وأولها الحرية والكرامة، وشجاعة الاستشهاد في سبيلها.

لكن الحقيقة أيضاً تقتضي الاعتراف بأن الشعوب العربية لم تنل استقلالها إلا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وبأعداد من الشهداء قليلة نسبياً. بل إن عدد الجنود العرب الذين سقطوا في صفوف جيوش فرنسا وبريطانيا وإيطاليا، أكبر بكثير من عدد الشهداء الذين سقطوا في انتفاضات الاستقلال في لبنان وسورية، والعراق، ومصر. وفي ما بعد كانت ثورة الجزائر صاحبة راية المليون شهيد.

هكذا، تأخذنا الثورات العربية القائمة منذ ثلاث سنوات إلى تاريخنا الحي غير البعيد في الزمن، ولا في التفاصيل. فكأن قدر بعض الذين عاشوا مراحل الاستقلال الأول أن يعيشوا ليكتشفوا كم كان الاستعمار الفرنسي – البريطاني أرحم وأرقى… بل ليكتشفوا أن القوانين والعدالة، كانت لها حرمة، ومهابة أكثر، في ذلك الزمن.

الحقيقة في معظم الحالات مؤلمة، خصوصاً إذا كانت حيّة في الذاكرة. وفي ذاكرتي الصحافية حقائق من ذلك النوع. فخلال أربع وستين سنة في مهنة الصحافة، نادراً ما استعملت ضمير الكاتب في المواضيع السياسية. ذلك أن هذه المهنة تفرض على الصحافي أن يقدم الخبر والرؤية على الرأي والموقف. لذلك، أعتذر عن استعمال ضمير الكاتب لأقول: ولا مرة، منذ عام 1949، رأيت الوضع العربي أسوأ مما هو في هذه المرحلة.

ولعلّ الأسوأ من هذا الوضع هو الآتي في ضوء ما هو متوقع، سواء بالرؤية أو بالمعلومات أو بالتحليل.

عام 1949، وكانت سنتي الأولى في الصحافة، غادرت بيروت إلى دمشق متطوعاً، من دون تكليف، لأشاهد تظاهرات عاصمة العروبة احتفاء بخلع الزعيم الوطني شكري القوتلي من رئاسة الجمهورية على يد ضابط عسكري مأفون، ومهزوم، في حرب فلسطين عام 1948.

تجولت يومها تائهاً، من دون عنوان، بين «ساحة المرجة» و «سوق الحميدية» و «سوق ساروجة» و «محطة الحجاز»، فرأيت صورة شكري القوتلي مرفوعة بالمقلوب على عصي جماعات الداشرين وهم يهتفون باسمه مرفقاً بأقذع الشتائم السوقية، وبعضهم نزع فردتَي «قبقابه» من قدميه وراح يصفق بهما وهو يمشي حافياً في مسيرة الغوغاء.

حينها لم أكن أدرك، ولا أعرف، لأسأل: أين رجال الثورة السورية. أين سلطان الأطرش، وسعدالله الجابري، وصالح العلي، وابراهيم هنانو، وأين أهل السياسة؟ أين فارس الخوري، وهاشم الأتاسي، وميخائيل ليان؟ وأين أهل الشعر والصحافة. أين بدوي الجبل، وعمر أبو ريشة، ونجيب الريّس، وسائر الرهط الوطني القومي العربي الذين كانوا يملأون محافل الأدب التي كانت قضاياها: حرية، وديموقراطية، ومدنية وثقافة؟

يومها لم أكن أدرك أن سورية الأصيلة. سورية الجهاد، والمدنية، والتاريخ والحضارات، لم تكن في الشوارع، ولا في الإذاعة، ولا في رئاسة الأركان، إنما كانت منكفئة على ذاتها، وعلى كرامتها، في بيوتها، او في أقبية قادة الانقلاب.

في «ساحة الحجاز» في قلب دمشق، كان المشهد مختلفاً. بل كان مناقضاً تماماً. هناك كانت تظاهرة قليلة العدد، خافتة الصوت، لكن شعاراتها كانت عظيمة ومثيرة للنخوة والشرف، ففي وسط الجمهور الصامت ارتفعت لافتة عالية كُتب عليها بأحرف كبيرة باللون الأحمر: «فلسطين تناديكم». وكانت مرفوعة بسواعد عارية فوق رؤوس معتمرة كوفيات سوداً وحمراً وبيضاً وخضراً.

كانت فلسطين في ذلك الوقت مذبوحة حتى منتصف الوريد. لكن دمها كان لا يزال ساخناً، بل كان حارقاً. يومها حملتُ مشاهد دمشق في العين وفي الذاكرة وعدت إلى بيروت.

لم أكن أملك الفهم السياسي الكافي لأكتب الموضوع الثمين عما شاهدت وسمعت خلال تلك الرحلة القصيرة المرتجلة إلى العاصمة السورية. ولقد كان سخيفاً وصفي السطحي لتظاهرة «القباقيب» في «سوق الحميدية»، وكذلك وصفي لتظاهرة فلسطين في «ساحة الحجاز».

اليوم، بعد أربع وستين سنة، أستعيد مشاهد دمشق في ذلك الزمن ومشاهدها في هذا الزمن.

واليوم، إذ أدعي أني صرت أفهم، أقول ما يقوله بسطاء الناس العرب، وهو أن فلسطين وقعت في ذلك الزمن في قبضة الاستعمار الغربي – الصهيوني، وبعدها كانت سورية أول دولة عربية تقع في قبضة الاستعمار العسكري العربي، ثم توالى سقوط السرايات العربية في القبضة نفسها، ولكن تحت راية فلسطين، مشكولة براية العروبة والحرية، والديموقراطية.

حدث ذلك منذ حوالى سبعين سنة. أي أن سبعة أجيال عربية شاخت وماتت، وسبعة أجيال عربية ولدت، وتتوالد، وسورية لا تزال في قبضة «عسكر العروبة» والحــرية، والديمـــوقــــراطية، والتحرير، والويل لمن يرفع صوته فوق صوت الحاكم العسكري المدجج بالسلاح في انتظار إشارة الهجوم على إسرائيل لاسترداد فلسطين والجولان…

عفواً… نسيت أن لبنان هو «خاصرة» سورية، وكثيراً ما يكون أيضاً «صدرها» أي أنه صدر نظامها، وصدر حلفاء نظامها، من عرب وغير عرب.

ولأنه الخاصرة، والصدر، فعلى لبنان أن يتحمل. ولذلك فإنه، منذ أربعين سنة، مرهون لأمر السلاح غير الشرعي.

ولأن السلاح يحمل هوية من يحمله فقد اتسع صدر لبنان لنياشين كل المحاربين من كل الهويات. وهؤلاء، جميعاً، نيشنوه. لكنه لا يزال حياً وصامداً، وعليه أن يتحمل، وأن يظل يتحمل، من أهله، ومن أقاربه، ومن جيرانه، ومن جيران جيرانه، وحلفاء جيرانه.

وفي الوقت الضائع على حساب شعب لبنان، وعلى حساب شعب سورية أيضاً، تستقبل بيروت وفود المبعوثين من ممثلي رؤساء دول كبرى ووسطى، وجميعهم يدعون اللبنانيين إلى التعقل والتماسك والصمود. فالمرحلة دائماً خطيرة، لكنها هذه المرة الأخطر. «ومش كل مرّة بتسلم الجرّة» كما يقول مثل شعبي شائع..

كل الموفدين الذين يتقاطرون على بيروت ينصحون اللبنانيين بالانفصال عن القاطرة السورية…

فقد «تعسكر» لبنان بالدمغة السورية حوالى أربعة عقود، لكنه ظلّ «جمهورية مدنية». وبعدما صمد كل تلك العقود المريرة عليه أن يصمد بعد حتى يتجاوز هذه المرحلة.

«لقد تعب لبنان. فمن يرحمه إن لم يرحمه أهله»؟ كلام يطرحه بعض الموفدين الزائرين على كبار من السياسيين والمسؤولين اللبنانيين، فيعلق بعضهم بالإيجاب، ويطلب الدعم والمساعدة المشروعة. لكن بعضاً آخر يعلق بشبه سخرية: دعكم من لبنان… أنتم متعبون!

13/5/2013 – الحياة

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة