29 views

التدخل الأميركي بين القبول والرفض ـ أمل عبد العزيز الهزاني

في أواخر أبريل (نيسان) الماضي، خرج متظاهرون أردنيون غاضبون احتجاجا على الوجود العسكري الأميركي في الأردن، جابت المظاهرات عمان والزرقا وأربد، وأحرق وديس فيها العلم الأميركي، وردد المحتجون هتافات تنادي بطرد الأميركيين من الأردن، هم ومن يؤيد وجودهم. وكان هذا رد فعل على إرسال واشنطن مائتي جندي أميركي لتدريب الجيش الأردني تحسبا لاستخدام بشار الأسد للسلاح الكيماوي.

هذه المظاهرات تستحق أن يعيد المرء قراءة التاريخ القريب، ليحاول فهم سلوك الشارع العربي وموقفه من الأميركيين الذين باتوا أسوأ سمعة من المستعمرين الإنجليز والفرنسيين بعد حربهم على أفغانستان والعراق. منذ عامين، حينما اشتعلت الثورة السورية، لم تتوقف مطالبات معظم الحكومات والشعوب العربية بمختلف أطيافها للولايات المتحدة الأميركية بالتدخل العسكري في سوريا، لوضع عصا في عجلة القتل اليومية التي يديرها بشار الأسد بآلته الجهنمية ، تماما كما فعلوا مع الشأن الليبي حينما ناشدوا حلف «الناتو» التدخل وإنقاذ الليبيين من مجازر كانت محققة على يد قوات معمر القذافي، لولا أن طائرات «الناتو» أسعفت بنغازي من كارثة إنسانية في اللحظات الأخيرة، ثم أكملت مهمتها بتحرير ليبيا قبل أن تسلمها لأهلها وتهم بالخروج. العرب يعيرون واشنطن، يتهمونها بأنها تتجنب التدخل العسكري في المسألة السورية لأن المعارضة في سوريا لا تملك ثمن فاتورة التدخل كما في ليبيا النفطية. الشارع العربي بكل أطيافه وعلى رأسهم المحافظون والكارهون واللاعنون لأميركا والغرب ليل نهار ناشدوا الأميركان التدخل في سوريا وليبيا لحماية أهلهما، وهذا موقف مفهوم ومقبول وطبيعي لأن أميركا دولة عظمى وتملك مقومات الدفاع الكافية، وقادرة على تغيير موازين القوى وحسم المعركة خلال أيام كما فعلت مع صدام حسين.

ولكن السؤال هنا: لماذا يحتجون في الأردن على تدخل مائتي عسكري أميركي لم يأتوا لأغراض قتالية إنما متخصصون في كيفية التعامل مع السلاح الكيماوي المحظور دوليا، ويتوسلون تدخل آلاف العسكر الأميركيين في سوريا؟!

لا يمكن للمتابع إلا أن يسترجع موقف هؤلاء المحافظين من حرب الخليج الثانية في بداية تسعينات القرن الماضي، حينما رفضوا التدخل الأميركي لمنع صدام حسين من الهيمنة على الخليج، وكانوا وقتها يقولون دعوا أمر المسلمين للمسلمين ليحلوا خلافاتهم، متمسكين برأيهم أن الاستعانة بالعسكر الغربي النصراني لمحاربة مسلم، وهو هنا صدام حسين البعثي، أمر لا يمكن قبوله. من الواضح أن الموقف متلون، ليس بحسب هوية المتدخل، أي الجيوش الغربية وتحديدا الأميركية، وليس بحسب وجود ثروة نفطية أو عدمه، إنما بحسب الدولة المستهدفة، فما هو محرم على دول الخليج والأردن جائز لسوريا وليبيا!

بشار الأسد بعثي، مثله مثل صدام حسين، وخطره على أهله وجيرانه خطر حقيقي حاصل ووشيك، والأردنيون مستهدفون في أمنهم كما هو حال الليبيين قبل عامين، فما الذي اختلف؟!

نتصفح أوراق التاريخ مرة أخرى ونلاحظ أن الأسماء والأفكار والتسجيلات والمحاضرات الرافضة للتدخل الأميركي في الخليج في التسعينات هي ذاتها التي نادت بالتدخل الأميركي العسكري في ليبيا وتنادي اليوم بتدخلهم في سوريا، تبدل خطابهم، وانقلبت مبادئهم. يصفون واشنطن بأنها متلونة ولا تراعي سوى مصالحها، وأنها تتناقض مع مبادئها في رعاية حقوق الإنسان حول العالم. الحقيقة أنهم هم المتلونون، الذين تتناقض مواقفهم مع مبادئهم التي ظهر أنها انتقائية وليست ثابتة، ليس فقط مع الوجود العسكري الغربي بل حتى مع الروس الذين يدعمون النظام السوري ويمدونه بالعدة اللازمة للمجازر اليومية، هم بالأمس يذمون روسيا المتحالفة مع النظام السوري، ولكنهم اليوم يضعون يدهم بيدها، ويشربون النخب على دماء السوريين!

ماذا لو أن حكومات دول الخليج انصاعت لهؤلاء المزايدين حينما احتل صدام حسين الكويت ولم تستدع القوات الغربية للدفاع عنها؟! ماذا لو أن الحكومة الأردنية أعلنت استغناءها عن خبراء السلاح الكيماوي نزولا عند رغبة الشارع؟! بماذا يختلف المسلم في الخليج والأردن عن مسلمي سوريا وليبيا؟! وبماذا يفرق بطش واعتداء ووحشية صدام حسين عن بشار الأسد؟!

من الغريب حقا أن يسعى المتقلبة أفئدتهم إلى الدفاع عن أي بلد آخر عدا بلدانهم التي لا يعبأون بأمنها ولا يخشون على مستقبلها.

على المواطن العربي الذي يجلس أمام شاشات التلفزة أكثر من أي وقت مضى لمتابعة أحداث المنطقة التي لا تكاد تهدأ لدقائق، عليه أن يحذر من تقلبات الخطب التي يستمع إليها أو يقرأها في موقع «تويتر» وغيره، مهما بدت لغتها إنسانية وبليغة، لأن من سوء الواقع أن خلف هؤلاء المتلونين المرجفين تسير شعوب عربية رقيقة القلب، مرهفة الوجدان، سريعة التأثر بإيقاعات الهوية القومية والدينية، لكنها للأسف مثقوبة الذاكرة، تستحي من الحق!

13/5/2013 – الشرق الأوسط

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة