43 views

حديث النخبة المهزومة والانتصار لثورات الشعوب ـ د. يحيى مصطفى كامل

لأي حراكٍ ثوري توأمٌ يولد معه…الثورة المضادة وهي لا تقتصر فقط على المستفيدين من رجالات العهد البائد والطبقات المالكة وكل من قد تضير الثورة مصالحه، وإنما تشمل فئاتٍ وقطاعاتٍ عديدة )أحياناً أوسع بكثير مما قد نتصور للوهلة الأولى..) كقيادات الأجهزة الأمنية، ذلك الطفيلي الألصق بجسد الدولة، ممن تدفعهم خشيتهم وشبه يقينهم من خسارة مناصبهم ونفوذهم وربما محاكمتهم من قبل نظامٍ جديدٍ سيسعى حتماً لزرع ارجالهب وتمكينهم حفاظاً على وجوده. كما يشمل أيضاً كل من يقوم بمهمة خدمة هذه الطبقات من المنتفعين بالمعنى الأوسع للكلمة… إلا أننا نفاجأ بأن عداء الثورة يتخطى هؤلاء الأعداء االمنطقيينب إلى طبقاتٍ قامت الثورة أساساً انتصاراً لها ودفاعاً عن مصالحها، وغالباً ما نجد وراء ذلك خوفاً مزمناً من أي تغييرٍ نتيجة عقودٍ مديدة ومتعاقبة من التهميش وصراعاتٍ في القمة ومؤامرات القصر، لم تأت أبداً الا بالأسوأ، وكثيراً ما يختلط بذلك جهلٌ ومنظومةٌ فكريةٌ وقيميةٌ منحطة تم فرضها وتعميمها كالهواء حتى تشربها الجمهور من كل مسامه.

وقد كتبت عن نماذج الثورة المضادة ثم عما سميتها ‘النخبة الرثة’ من أولئك المثقفين الذين باعوا ثقافتهم وملكاتهم للأنظمة، فبرروا قمعها وجملوا قبحها، إلا أنني هذه الأيام مستنفرٌ تماماً من هجمةٍ جديدة تجد وقودها في إحباطات الجمهور جراء تعثر الثورات على يد حكوماتٍ أفرزتها الصناديق بشكلٍ ما، فها هي تعيد إنتاج نسخةٍ أقبح من الأنظمة السابقة، وأنا هنا أقصد ذلك التشكيك في أولية حراك الشعوب الصادق والحقيقي وما يلحق بذلك من تيئيسٍ منهجي هو الآخر من قبل مثقفين، كثيرٌ منهم للأسف محسوبٌ على اليسار بأطيافه المختلفة وقضى الثلاثة عقودٍ السابقة يحث الناس على الثورة وينعى عليهم سلبيتهم، وقد تصادف في معرض مناقشتي لهذا الهم وتلك الظاهرة مع صديقي الكاتب أ. خالد السرجاني أن أطلق على بعض هذه النماذج ‘اليسار المهزوم’ وإنني لمدينٌ له بهذا التوصيف الذي يشمل كثيرا من المثقفين الذين أفقدتهم الثورات التي طالما نادوا بها، توازنهم لأسبابٍ عديدة، على الرغم من كون الكثير منهم لم يرتزقوا من الأنظمة (بعضهم هادن وهذا أمرٌ مختلف..).

وللحق، فالأسبابُ عديدة وإن كانت في مجملها نفسية، فمن ناحية هناك صراع الأجيال الذي فطن إليه جون كيرى وتحدث عنه في لفتةٍ تدل على حنكةٍ سياسيةٍ لا نجد بداً من تهنئته عليها؛ إذ انك تجد أن كثيراً من أولئك الذين يعيبون هذا الحراك الثوري ينتمون إلى جيلي الستينيات أو السبعينيات، أولئك الذين صاغوا وعاشوا الأحلام الكبيرة، وللحق فقد ضحوا بالكثير، أجمل سني العمر، ولم يحققوا حلماً من أحلامهم، بل على النقيض رأوها تنهار وشاهدوا المنجزات تحطم وتباع بخساً في أزمنة الردة الطويلة.. و كأنه كبُر على بعضهم أن يرى شباباً غراً، يفتقر إلى الثقافة والتكوين النظري فضلاً عن الخبرة النضالية (هذا في رأيهم بالطبع) ينجح فيما فشلوا هم فيه، بل ويئسوا منه معتبرين إياه مستحيلاً.

غير أن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، إذ أمام تدهور الأوضاع على كل المستويات وتفشي الفوضى، خاصةً في ضوء وصول الإسلاميين للسلطة وما رافق ذلك ومهد له خلال الفترة الانتقالية من ألاعيب أمريكا تسلط على هذه الزمرة من المثقفين المهزومين، وهم المسكونون بعصابٍ اسمه ‘المؤامرة’، أن كل ما شهدته بلداننا من حراكٍ ثوري ما هو إلا مؤامرة كبيرة لتفتيت الدول العربية وتمكين (مع الاعتذار للجماعة المحظورة) مصالح أمريكا وتأمين إسرائيل، وتراهم يطالعون كل صحف العالم من أمريكا إلى موزمبيق بحثاً عن تعليقٍ هنا وتحليلٍ هناك يعضد وجهة نظرهم، تماماً كما كانوا يفعلون في الستينيات ليثبتوا آنذاك ان الثورة الاشتراكية أو سقوط إسرائيل واقعٌ في الغد لا محالة، ومما حدا ببعضهم، والعياذ بالله، للدفاع المخزي عن هذه الأنظمة المنحطة المنتهية صلاحيتها، بل وغير الصالحة للاستهلاك الآدمي من الأساس كونها تجسيداً للحداثة…

و أمام هذا الخلط البين للأوراق في شأنٍ معقد في منطقةٍ ملغمةٍ بالتعقيدات والالتباسات فلا بد لنا من وقفةٍ طويلة للتحليل والتفنيد.

أولاً، إن الانزلاق في مستنقع الحديث عن المؤامراتٍ كمحركٍ أول يغفل واقعاً عربياً رثاً مهدماً مهزوماً وظلماً يطحن السواد الأعظم من المواطنين في دول ومجتمعات ‘النصف في المئة’، إذا كان لنا أن نستعير من الرئيس عبد الناصر، والنصف في المئة بطبيعة الحال هو تلك الفئة/ الأسرة/العشيرة/ الطائفة بشتى تنويعاتها ومن تحلق حولها من المستفيدين مادياً ومنظومة الأمن الباطش، ومما يجب الا يخفى على أي مثقفٍ، خاصةً إذا كان ثورياً أو تشدق بالكلمة. ان توفر العوامل الموضوعية وإن كان لا يعني بالضرورة الحتمية قيام الثورة فإنه يفتح المجال أمامها… قد لا يستطيع أحدٌ في كثيرٍ من الأحيان التنبؤ الدقيق بها، إلا أن الكل يعلم أنها تنتظر شرارة، وفي حالة الحراك الثوري العربي جاء في صورة شرارة ٍ بالمعنى الحرفي أشعلها شابٌ بنفسه وفي نفسه، وهو لا يدرك أنه بذلك جسد مختزلاً كل معاني فشل هذه الأنظمة وتهميشها للسواد الأعظم من شعوبها، ولا ننسى في هذا السياق أن نزول عشرات الملايين إلى الشوارع في بلدٍ واحدٍ كمصر لينفي بمنتهى البساطة شبهة التآمر؛ لذا يصبح الحديث عن مؤامرةٍ كونية حديث أبراجٍ عاجية وعزلة أشخاص فقدوا المقدرة على التمييز بين الواقع المصاغ من اللحم والدم وألعاب ‘الفيديو جيم’ في عكسٍ مضحك وبائس لما قاله بودريار عن حرب الخليج.

أجل هي حراكاتٌ شعبيةٌ صادقة لها أسبابها الموضوعية المريرة وقد فاجأت أمريكا والعالم أجمع بعد أن فأجأت أنظمتها، بل والشعوب العربية نفسها، وبمناسبة وصفنا لهؤلاء المثقفين بالهزيمة فإني لأتساءل: أليس تصور أن أمريكا لا يمكن أن يفاجئها شيء ولا يمكن أن تحدث حراكاتٌ من دون موافقتها أو تآمرها أو تخطيطها هو قمة الهزيمة؟ أليس ذلك نسياناً لفيتنام وإيران، بل والعراق الذي حطمته ولم تستطع إلا أن تخرج منه لتنفذ بجلدها وبجنودها الذين تتواتر الأخبار عن ارتفاع معدلات الأمراض النفسية والانتحار في صفوفهم.

لا يعني ذلك أن أمريكا وحليفاتها لا تتآمر ولا تلعب الآن؛ فكما كتبت سابقاً، قد تفاجأ أمريكا، إلا أنها لن تعلن أنها ‘واخدة على خاطرها’ وأنها ‘لن تلعب معنا مرةً اخرى’ لسقوط دميةٍ من دماها في المنطقة، إذ كدولةٍ كبيرةٍ بحق قررت التخلص من مبارك للحفاظ على النظام، ونزلت برجالها وحلفائها إلى ذلك المستنقع الفوضوي تبحث عن تأمين مصالحها بكل وسيلةٍ ممكنة عبر تربيطاتٍ وتصالحاتٍ، ولا ينبغي لنا أن نتوقع منها غير ذلك…

أما في ما يتعلق بقوى الإسلام السياسي، فلا يسعني سوى أن أقرر بأسفٍ شديد أن كثيراً من هؤلاء الكتاب لا يرون حراكات الشعوب الثورية إلا من خلال منظار الخوف والعداء لهذه القوى، ولعلي لا أبالغ إذ أزعم أن كل شيطنتهم وبخسهم لهذه الثورات إنما هو نابعٌ من ذلك العداء؛ والمشكلة في الحقيقة أن ذلك لا يقتصر على كونه افتراءً ونكوصاً عن دعم حركاتٍ كان من المفترض أن يكونوا قادتها أو في مقدمة صفوفها، وإنما يكشف اغتراباً عن هذه المجتمعات وانعدام الموضوعية في التحليل، إذ كما أشار أستاذ صبحي حديدي في إحدى مقالاته لا يتم التعاطى مع تلك القوى على كونها فصائل تعبر عن قطاعاتٍ أصيلة في مجتمعاتنا، وإنما تصبح شيطاناً دخيلاً… وأود أن أضيف إلى ذلك أن كثيراً من أفكارهم التي قد نختلف معهم فيها أو نصفها بالتشوش، انما هي تعبيرٌ دقيق عن استعصاءاتٍ فكرية أعمق وقضايا سجالية لم تحسم تتعلق بتعاملنا (جميعاً من دون استثناء) مع قضايا التراث، وصراع الحداثة مع الأصالة والغرب مع الشرق العالق حتى الآن… فهي على ذلك ثقافةٌ محلية عفوية تذكرنا بما قاله لينين عن الثقافة النقابية العفوية لدى العمال…غير أن المسكوت عنه في مقالات هذه النخبة المهزومة أن هذه الثقافة التي لا تعجبهم، بل وتدفعهم لعداء الثورات ما هي إلا نتاجٌ لهزائم هذه الأنظمة على كل الأصعدة، عسكرية وغيرها، وما تسببت فيه من إحباط الجمهور ونفوره من قاموس الألفاظ الحداثية المبتذل للأنظمة، بالإضافة إلى التمكين (مع الاعتذار للجماعة المحظورة مرةً أخرى) لأفكار هذه الجماعات بالعشرات من الساعات والصفحات في وسائل الإعلام، ناهيك عن محاربة الأفكار الحداثية التي تزعم الأنظمة تبنيها… هذا في الوقت الذي هادن فيه الكثير من هؤلاء الكتاب الأنظمة وآثروا الابتعاد، فخرجوا من ساحة المعركة الفكرية مع احتمالات ما قد يكسبونه للجمهور من وعيٍ مغاير أكثر نضجاً وحداثةً وعمقاً.

أنا لن أزايد على أحدٍ فيما مضى، فأنا أعلم كم كانت الأنظمة باطشة… لكن الآن أجد من غير المقبول الدفاع عنها وإغفال أنها هي التي أوصلتنا إلى هذا الأفق المسدود، حيث البدائل أسوأ من بعضها البعض، ولا أتفهم، بل أشعر بالنفور الشديد من الذين يهاجمون قطر والسعودية والجماعات التكفيرية (وهم يستحقون ذلك من دون أدنى شك) ولا يطالون النظام السوري بكلمةٍ واحدة… كلمة واحدة فقط تبرئ ذممهم أمام الله، كأنه حملٌ وديع في غابة من الوحوش ولا يتحمل أية مسؤوليةٍ مطلقاً عما يحدث وما آلت إليه الأمور، كـأنه لم يبدأ بالعنف ويدك شعبه يومياً بكل وسائل التدمير، وهذا من أشخاصٍ يشهد الله أنهم حتى زمنٍ قريب (قبل الثورات) كانوا يصفون لي ما حدث في حماة من وحشية فيعييهم البحث عن الألفاظ التي تصف فتفي، ولذة التدمير ويقولون لي في أحاديثنا الخاصة ان أسطورة سورية الممانعة باتت مزحةً سمجةً للغاية…

الثورة ليست نقطةً في التاريخ، فهي عملٌ يهدف إلى تغيير هيكل المجتمع، وهو بالضرورة طويل، يقاس عمره بالسنين…لقد انطلق في بلداننا حراكٌ ثوريٌ شعبيٌ صادق وحقيقي…غير أن هذه المجتمعات مرهقةٌ للغاية وقواها السياسية (فيما عدا الإسلام السياسي) مازالت لم يكتمل نضجها بعد، فضلاً عن التدخلات المتوقعة من شتى الأطراف الإقليمية والدولية ممن تهدد هذه الثورات مصالحها في هذه المنطقة الأثرى والأضعف والأكثر تمزقاً في العالم… إن مسؤوليتنا في مفترق الطرق هذا هو أن ندافع عن هذه الثورات ونحاول أن نصلح مسارها لا أن نشيطنها ونهون من شأنها ونتهمها بالعمالة وإلا فلن يرحمنا التاريخ.

كاتب مصري زميل الكلية الملكية لأطباء التخدير

القدس العربي ـ  MAY 15, 2013

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة