98 views

حقوق الأقليات بين التنظير والديمقراطية ـ شفان ابراهيم

إن الركون إلى نظرية حكم الأكثرية وضرورة حكمها للبلاد ستؤدي إلى طغيان هذه الأغلبية وطمس معالم الأقليات، أو على اقل تقدير إهمال حقوقها إن لم يكن نكرانها، ففي غرة حماس الأغلبية بحجة أنها من مخاض الديمقراطية فأن المخاوف من ضياع حقوق الأقليات السياسية تزداد وربما يكون الإلغاء مآلها، لذا فإن صيانة هذه الحقوق واجب على أي نظام يرغب في الوصول إلى مصاف الأنظمة الليبرالية الديمقراطية المتطورة، ولا بد من وجود دساتير وصيغ حديثة لهذه الحماية، وهذا ما يتطلب أولاً وقبل كل شيء نظام ديمقراطي تعددي برلماني يعترف بالتعددية الثقافية الليبرالية، ويكون القانون وحقوق الأقليات وحقوق الإنسان مصونة، فالتجارب أثبتت أن الصراع القومي عنيف جداً في البلدان ضعيفة الديمقراطية، وتكون هناك حاجة ماسة في العثور على طرق للتعايش السلمي، وهنا يأتي دور وأهمية كبح أية إشكالية تؤدي إلى الصراع العرقي في الدول ذات المستويات المتفاوتة والمتباينة الديمقراطية، ولعل النظام السوري عمل جاهداً على غرز هذه المبادئ التي من شأنها نكران الأكثرية لحقوق الأقلية، لذا فإن من أولى مهام أية حكومة انتقالية قادمة هي تجسيد المساواة والعدالة الانتقالية والتعددية الثقافية الليبرالية لتكون الأساس في صياغة دستور عصري يحفظ حقوق الأقليات ويحميها من أية محاولة جديدة لطمسها أو نسفها، وكي تحافظ على هذا التنوع فإنها ستحتاج إلى الجمع بين المثل العليا طويلة الأمد وتوصيات براغماتية قصيرة الأمد، لتكون هذه البراغماتية في خدمة الأقليات وتطمينهم وتكون تلك المثل العليا في خدمة الشعب بكافة شرائحه وأعراقه، دون إغفال جانب العلاقة الضرورية بين العدالة والأمن ووجوب توفر قواعد ومعايير دولية لتكون صورة واعدة عن مستقبل مشرق تشعر فيه الأقليات بانتفاء المخاوف من المستقبل، هذه القواعد التي يجب أن تكون من أساسيات أية حكومة دستورية قادمة وضرورة الاعتراف بان الأقليات هم أيضا من السكان الأصليين في البلاد وممثلون شرعيون وشركاء متساوون في الحكم ولهم كل ما يحفظ حقوقهم في الغد ويبدد مخاوفهم. لكن لنتساءل لماذا كل هذا الاهتمام من الغرب بقضية الأقليات، وهل حقيقة هي شماعة تختبئ خلفها الدول الغربية لتقوم باستباحة الدول الأخرى، أم أنها حقيقة تهتم بمصير الجماعات العرقية، ويمكننا القول لو أن أية دولة شرقية وخاصة عربية اهتمت ولو بجزء يسير من ابسط مبادئ حقوق الأقليات لما تدخل المجتمع الدولي، وما شماعة أن التدخل الدولي أنما هو نتيجة تآمر الأقليات على الدولة إلا مرده إلى النفسية المريضة والمكبلة بعقلية الإقصاء والتهميش والتهجير والنسف، في الوقت الذي يتوجب على تلك البلدان استكشاف الجانب المشرق من المعادلة الخاصة بالأقليات والإفصاح عن أهمية التعددية الثقافية الليبرالية والتعرف على الأشكال المختلفة التي اتخذتها الدول المتطورة والتي أزاحت عن كاهلها عبئ تفشي مرض إقصاء الأقليات، فتلك الدول وخاصة عقب انهيار جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفييتي شعرت بمخاوف عدم استقرار الدول والعالم نتيجة الصراع العرقي والقومي المحتمل في عدد كبير من الدول وأصبحت أكثر انشغالا في ميدان علاقة الدولة بالأقليات وضرورة الاهتمام والاعتراف بهوية القوميات لترسيخ ولائهم للوطن أكثر، ولا بد من قناعة الجميع بضرورة الحاجة إلى تلاحم ثقافي لتكون الوطنية وعبر حالات الولاء والالتزام للدولة مهما كانت مكوناتها الاثنية أو الثقافية، وحينها فإن هذه الحالة تكون جزءاً من باقة من الفضائل الجمهورية المدنية، وكما قيل على لسان أحد المفكرين،أن كل جمهوري صادق يستقي من حليب أمه حب وطن الأجداد، ونظراً لتفشي وتغلغل ظاهرة تقبيح الأقليات في عقول وقلوب الأكثرية نتيجة السياسات الممنهجة التي قامت بها الأنظمة القمعية والدكتاتورية، لذا ومن أجل بناء جيل عصري تنويري مثقف وطني منشداً للتآخي والحياة المدنية والتعددية، لابد أن تضمن المدارس تأهيل تلاميذها قواعد المجتمع ومبدأ المساواة والإحساس بالإخاء، وبالتأكيد فإن هذه المدارس لن تكون قادرة وحدها على التطبيق الأمثل للتربية الاجتماعية لظروف وعوامل شتى، لذا لا بد من عقد اجتماعي للدولة مصمم بالتحديد للأغراض المدنية وحينها سيكون بالإمكان صياغة دستور يحمي الجميع على قاعدة سورية أولاً، سورية الجديدة، الملغية للمراتب الاجتماعية المزيفة القائمة على التمييز بين الأعراق واختراق الحدود الوهمية المصطنعة بين أبناء البلد الواحد، وإحلال عرف جمهوري مدني قاضي بالتعامل الندي بين الجميع وانعدام أية فروق إلا على أساس ما يقدمه كل فرد للوطن من خدمات وأعمال، وانحسار الطاعة في القضاء، والحق الاجتماعي، والعدالة الأجتماعية، والإخلاص للوطن والأرض والعلمّ والنشيد الوطني، لذا لابد من التفرقة بين الحقوق السياسية من جهة والحقوق الطبيعية من جهة أخرى، فكل فرد يحق له التمتع بالحقوق المدنية للمواطنة والجميع يشترك في حماية أنفسهم وممتلكاتهم وحرياتهم لكن لا يحق للجميع أن يشاركوا في تأدية دور فعال في تشكيل السلطة الرسمية على حساب الأقليات وكفاءاتهم، فمن لا يساهم في دعم المؤسسات العامة والدولة لا يحق له أن يمارس دوراً في التأثير على الصالح العام، ولا يحق لهم أن يمارسوا تأثيراً فاعلاً في تشكيل السلطة الرسمية، لأنهم ليسوا جميعاً مواطنين فاعلين، أنما فقط من يتمتع بالكفاءات وأصحاب الفكر النير ومن لهم خدمات وبصمات في مؤسسات الدولة أو من خلال الأشهر ال(26) للثورة هم من يحق لهم صياغة وتأسيس الحالة المرتقبة للبلد والتمتع بالحقوق السياسية كالإدارة وغيرها، بغض النظر عن العرق أو الدين، لكن تبقى بعض الحقوق السياسية كالتصويت والترشح وإبداء الرأي دون قمع وغيرها متاح للجميع.

إن دراسة الأقليات وحقوقهم هي من الأمور ذات الاهتمام الدولي المشروع وعليه فأنها لا تشكل حصرياً شأناً داخلياً في أية دولة لطالما بقيت تلك الدول مستمرة في قمع الأقليات كالإبادة الجماعية أو التطهير العرقي أو التفرقة العنصرية، ولو طبق بلداً واحداً الحد الأدنى من معايير مكافحة هذه الجرائم لما كان هناك داع لاهتمام دولي مشروع بمعايير إضافية لحقوق الإنسان وحقوق الأقليات، لهذا فأن المجتمع الدولي لو تيقن من تبني نماذج متنوعة لحماية الأقليات وصيانة حقوقهم والاعتراف بهم ضمن بلدانهم، لما استطاعت التدخل وعندما قال ولسون عام 1919 لا يمكن للمرء أن يغامر بقول شيء يدعو إلى إطراب السلام العالمي أكثر من الحديث عن المعاملة التي تتلقاها الأقليات تحت ظروف معينة، كان المقصود به أن التدخل الدولي يأتي دوما لحماية من يفترض أن يكونوا مصاني الكرامة والحقوق كي تكون تلك الدول من بين الدول الراقية والمتقدمة. وللعلم فإن العائق الأكبر أمام أية دولة للدخول والانضمام إلى نادي الديمقراطيات الليبرالية كما يرى «ويل كميليكيا» يكمن في إنكار وجود الأقليات في تلك الدول التي تعاملهم معاملة على أنهم بلا قيمة من الناحية السياسية، لذا لابد من شرعنة هذه الحقوق حتى تكون الدولة في مصاف الدول المتقدمة والراقية، علماً انه وفق منظمة الأمن والتعاون في أوربا (OSCE) فإن حقوق الأقليات هي شرط مسبق للسلام والأمن وتحقيق الديمقراطيات، مع العلم أن تحقيق الأمن والاستقرار الدائمين على هذه القارة ممكن فقط في حال طبق إعلان الأمم المتحدة لحقوق الأقليات، وحقوق الأقليات كما تبنته منظمة الأمن والتعاون في أوربا شرط سابق لتحقيق الديمقراطية، لذا لابد من اتخاذ خطوات جادة وفعالة وقوية لإزالة الغبن الواقع بحق الأقليات وتنفيس الاحتقان الموجود والمتراكم، كي لا تستمر الأقليات في العيش تحت رحمة الكوابيس الخطيرة، ولابد من انتفاء أية محاولة لزرع أزمة صراع ديني أو عرقي وخاصة في المناطق المختلطة لأن ذلك لن يخدم لا الثورة ولا المستقبل المنشود ولا سوريا الحديثة، فالثورة هي لأجل الجميع وليس لأجل الاستمرار في إخافة البعض أكثر من البعض الآخر.

8/5/2013 ـ صوت الاخر

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة