49 views

مشكلة الأقليات في سوريا بين الاستبعاد والتوظيف ـ عمر كوش

كثر الحديث عن الأقليات في سوريا، في أيامنا هذه الأيام، وعن مخاوفها من الثورة، ومن حالة الفوضى المحتملة بعد سقوط النظام، وترافق بالتخوف من حدوث فراغ وعمليات انتقام ضد الأقليات، وسوى ذلك من التخوفات والتهويمات والمبالغات بشأن التركيبة السورية، والتي يريد بعضهم من ورائها، تصوير النظام الأسدي وكأنه حامي حمى الأقليات.

ويشير واقع الحال، أنه لم تكن في سوريا مشكلة أقليات وأكثرية، لولا تواتر حالات التمييز القومي أو الطائفي من قبل السلطة، التي وظفت الطائفية في أبشع صورها، بالتزامن مع خطاب إنكار للطوائف والاثنيات، ومتجاوز لها، وذلك لضمان ولاء الطائفة العلوية، والأقليات الأخرى، على حساب الرابطة الوطنية والسياسية، ومعايير الكفاءة والنزاهة، واستجرار وتشجيع ردود فعل مختلف الولاءات ما قبل المدنية. مع العلم أن هنالك مراحل من تاريخ سوريا الحديث، لعب خلالها سوريون، من مختلف المكونات القومية والدينية، دورا متكاملاً في بناء دولتهم وتاريخها الحديث، وشكلت عندهم قيم المواطنة والمساواة قاسماً مشتركاً، وغلبت انتماءاتهم إلى الأحزاب الحداثية على أي انتماء. أما مع حكم الأسرة الأسدية، فقد قامت سلطتها الحاكمة على نهج من الإنكار والاستبعاد والتوظيف والاستثمار، خدمة لتأبيد حكم آل الأسد، بل التمادي إلى حدّ إلحاق سوريا وناسها وتاريخها بالأسد، حيث عمد النظام الأسدي وأزلامه واعوانه إلى تسويق مقولة سوريا الأسد، والأسد إلى الأبد، وسوى ذلك من مقولات اسقطتها ثورة الحرية والكرامة.

وعند الحديث عن التنوع المجتمعي، يبرز مفهوم الأقلية الاثنية أو الدينية، وأفضل هنا استخدام تكوين اجتماعي أو جماعة، وعلينا أن نأخذ في الحسبان أن أي جماعة لا تشكل كتلة واحدة، ولا يتخذ أفرادها موقفاً موحداً من القضايا العامة. وهناك عوامل تعود إلى الوضع التاريخي والوضع الطبقي والخلفية العلمية والمعرفية والإدراك الشخصي والموقع السياسي، وتلعب أدوارها الهامة في تشكيل مفهوم الجماعة أو الأقلية.

وتعبر التكوينات الاجتماعية عن العلاقات الخاصة بين مجموعة من السكان، تضفي عليهم قدراً معيناً من التضامن الداخلي، وتجعلهم متهيئين للسلوك الجماعي وفقاً لهذه العلاقات أو الروابط، سعياً منهم إلى تحقيق مصالح خاصة بهم. وعليه تتخذ التكوينات الاجتماعية أسساً دينية أو اثنية أو عشائرية.

وتعتبر العلاقة بين الدولة وأي جماعة دينية، إحدى مشكلات العلاقة بين الدين والسياسة في أي مجتمع، وخاصة حين تلجأ السلطة السياسية الحاكمة إلى توظيف الدين واستخدامه لتحقيق أهدافها ومآربها السياسية، الأمر الذي يدفع بالضرورة إلى التصادم مع الجماعات الدينية. وينبغي التمييز ما بين المؤسسات الدينية أو الحزبية التي تمثل كل جماعة وبين الجماعة نفسها، بوصفها جملة فئات اجتماعية تنتشر في النسيج الوطني المجتمعي، ذلك أن التوجهات السياسية للمؤسسة الدينية أو الحزبية لا تعبر بالضرورة عن توجهات أفراد الجماعات السياسية. فالعلويون، مثلاً، أو الأكراد، لا يمكن اعتبارهم كتلة اجتماعية أو سياسية واحدة مندمجة، ولكن المرجح أن عقودا من التوترات الدينية والاثنية، واندماج فئات واسعة داخل المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، جعلت القيادات الدينية والسياسية، تقوم بأدوار عديدة، تدعي تمثيل مصالح الجماعة، والتعبير عنها في الفضاء العام وحيال الدولة.

الاستبعاد:

وقد مارست السلطة الحاكمة في سوريا الاستبعاد في درجاته الشتى، حيال الأفراد والتكوينات الاجتماعية، ودفعت بهم إلى خارج المنظومة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة، مقابل الدفع بتكوينات اجتماعية أخرى إلى مراكز متقدمة من التحكم بمقدرات الدولة والمجتمع. وارتبط كل ذلك بجملة من العوامل المذهبية الدينية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية، على خلفية إثارة الصراع بين مختلف مكونات التنوع في سوريا، وخلق علاقات قوة جديدة، أبعدت المكونات المدينية مقابل استقدام المكونات الريفية، وإعادة توطين أفكار الصراع على مصادر القوة بين الأقلية والمجتمع، ودفع المستبعدين إلى الاحتماء بمختلف التكوينات ما قبل المدنية.

ويحمل مفهوم الاستبعاد مدلولات وحمولات كثيرة، وينهض على فعل طرد الفرد أو الجماعة خارج المنظومة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بحيث لا يغدو أحد المكونات الرئيسية في البناء الاجتماعي سياسياً، واقتصادياً، واجتماعياً، وثقافياً. وبالتالي يغيب الفرد أو الجماعة عن المشاركة والإسهام في المجتمع وفضاءات المجال العام للدولة، الأمر الذي ينجم عنه مراكمة اللامساواة الاجتماعية، ويدفع مزيداً من الأفراد والجماعات إلى العزلة والإقصاء، ويصيب المجتمع التفكك والضعف والانقسام، بما يعني إشكاليات اجتماعية وسياسية، هيكلية، تنهض على الاختلاف في علاقات القوة والهيمنة في الدولة والمجتمع.

وعملت السلطة الحاكمة على ضمان استمرارية سيطرتها على المجتمع، طوال أكثر من أربعة عقود، من خلال أساليب وإجراءات أمنية وقانونية وسياسية. فصادرت الحقل السياسي العام، وسحبت السياسة من التداول المجتمعي، وأوجدت أحزاباً شكلية، أدرجتها ضمن “الجبهة الوطنية التقدمية”، واستولت على مختلف التوسطات الاجتماعية من جمعيات ونقابات مهنية وفرق رياضية وحتى صالات الأفراح والأحزان.

ونتج عن التباين في علاقات القوة التي أوجدتها السلطة تنامي الدعوات غير المعلنة إلى مختلف الانتماءات الضيقة، الأمر الذي أنتج شعوراً بعدم الاندماج والعزلة والإحباط والانسلاخ عن المجتمع. ولعل من الصادم القول أن الحالة السورية في مرحلة ما بعد ثمانينيات القرن العشرين المنصرم وصولاً إلى نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين الحالي، يمكن توصيفها بمرحلة الفاشية الطائفية، ساد فيها النظام الأسدي من خلال علاقات القوة غير المتساوية، التي أفضت إلى الشعور العام بالاستبعاد والإقصاء داخل المجتمع السوري. ونما خلالها شعور تكوينات كثيرة بالذل والمهانة والغبن واللامساواة وفق خطوط عديدة للانقسام، الأفقي والعامودي، وعلى أسس مذهبية ودينية، بل ونوعية ومناطقية واجتماعية.

السلطة المتغولة والمجتمع المنهك

إذا كانت مقولات اقتراب العلاقة بين الدولة والمجتمع، هي الأصلح لتفسير وقائع العلاقة بين الدولة والمجتمع على المستويين النظري والعملي، من خلال تداخل دوائر الانتماء وتعدد التكوينات الجماعية وترابطها، إلا أن الاقتراب من ثنائية الدولة / المجتمع وطبيعة العلاقة بينهما، في الحالة السورية ليس أمراً سهلاً ودقيقاً، نظراً لأن النظام الاستبدادي الأسدي، أنهك الدولة، وسيطر عليها، مقابل تضخيم سلطة عائلية، محاطة بزمرة تابعة، صادرت مؤسسات ومقدرات الدولة، وبسطت هيمنتها على المجتمع، وتحولت إلى سلطة متغوّلة.

ويمكن القول إن السلطة المتغولة هي نخبة حاكمة، تصادر أجهزة ومؤسسات الدولة، وتضعفها كثيراً، وتقتحم المجتمع، بغية إعادة تنظيم العلاقات الاجتماعية فيه، وتتخذ القرارات السياسية والاقتصادية لصالحها ولصالح أزلامها وتوابعها. وهذه السلطة لا تعلي من قيم المواطنة والتضامن والثقة في مجتمعها، بل تعلي قيم المذهبية والطائفية والعشائرية والأقوامية الفاشية.

أما المجتمع المنهك، فهو الذي تغيب فيه وتنتفي مختلف الروابط الأفقية، مثل الأحزاب السياسية القادرة على تجميع مصالح الأفراد والتعبير عنها، إضافة إلى غياب جماعات الضغط التي يمكن أن تتكامل مع الاحزاب، من أجل تحقيق سياسات في صالح المجتمع.

وفي الحالة السورية، من الطبيعي أن المجتمع المنهك لم يستطع أن يساعد دولته الضعيفة، لأن السلطة المتغوّلة منعته طوال عقود عديدة من تنظيم نفسه، والدفاع عن مصالحه، واتخذت موقفاً عدائياً منه، وراحت تناهض تنظيماته ومؤسساته التي حاولت التعبير عن مصالحه، وحاربتها، ولاحقت ناشطيها وأدخلتهم المعتقلات والسجون، وشردت العديد منهم، ولجأت إلى خلق جو من عدم الثقة بين الدولة والمجتمع، لصالح تكريس روابط الفساد والإفساد والمحسوبية والواسطة، الأمر الذي أدى إلى مزيد من انهاك المجتمع وسيادة حالة من الركود السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وتأسست قطيعة بين السلطة المتغوّلة المجتمع، فزاد الاحتقان الاجتماعي، وبات التناقض الداخلي يعبّر عن نفسه في صورة ما يشبه حروباً أهلية، والخطير في الأمر أن السلطة جعلت الدولة ذاتها تتصرف، وكأنها طائفة أو مافيا، وبدوره لجأ المجتمع إلى تكويناته ما قبل المدنية للاحتماء بها في مواجهة السلطة المتغولة.

تحديات إدارة التنوع:

إن أحد أهم التحديات المطروحة على سوريا الجديدة، سوريا بعد النظام الإسدي، هي إدارة التنوع والاختلاف، بما يفضي إلى بناء “دولة وطنية” سورية قائمة على عقد اجتماعي جديد، ينهض على المواطنة والتعددية والديمقراطية، ويفتح صيرورة لاندماج اجتماعي، ولصيرورة خلق شعب سوري، يحمل هوية وطنية سورية جامعة.

والمدخل الصحيح لمعالجة إشكاليات التنوع والاختلاف في سوريا هو سلامة المعالجة ودقتها، التي تتوقف على معالجة إشكاليات مختلف التكوينات الاجتماعية، بالاستناد إلى مركبات الخصوصية السورية في غلبة مسار الانصهار الوطني، ومواجهة نوازع التفرقة والتمييز، حيث أن المجتمع السوري لا يملك رصيداً من الأحقاد والمواجهات بين مكوناته، إضافة إلى أن درجة الوعي الشعبي العام للسوريين، والتفافهم حول مهام وقضايا وطنية واسعة، ترك أثاره الإيجابية على تضامنهم ووحدتهم واندماجهم، وساعد في تمكين بناء دولة وطنية نأت عن المحاصصة السياسية الطائفية، وبالتالي من المهم الاستناد إليها وتقويتها في مواجهة البنى العصبوية التقليدية، وعدم إتاحة إمكانية تبلورها في مشروع سياسي خاص. يضاف إلى ذلك التداخل الجغرافي بين مكونات المجتمع المختلفة وندرة وجود مناطق معزولة، وتقتصر على مكون بعينه.

وتقع على عاتق القوى الديموقراطية السورية، اليوم، مهام عديدة، أهمها هو عدم ترك الساحة للقوى التي تستغل الدين أو الطائفة أو الاثنية أو العشيرة لتحقيق مآرب سياسية، وذلك من خلال العمل على تشكيل أحزاب وتيارات سياسية، إلى جانب تشكيل جمعيات مدنية، وتشكيل تخالفات سياسية، بغية وضع مقدمات بناء دولة لجميع مواطنيها، والاحتكام إلى السياسة، والوقوف بوجه التطرف الديني والنزعات والولاءات والعصبويات الطائفية والمذهبية والعشائرية والاثنية، والعمل على جعل الانتماء للوطن، والاختيار للبرامج السياسية، وترجمة مشاعر الوحدة إلى عقد وطني، يراعي التعدد ويقبل الآخر، وقادر على التعبير عن مصالح جميع أفراد المجتمع، والبحث عن مخارج هادئة لآثار وإرهاصات الاستبداد.

المستقبل – الثلاثاء 5 آذار 2013 –

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة