51 views

لماذا يتلكأ أوباما؟ ـ حسن منيمنة

قد تكون الأصوات المؤيدة لنظام دمشق في المنطقة العربية قد استنبطت كل النظريات الممكنة حول طبيعة المواجهة الدائرة في سورية، ومن دون الاكتراث بالتناقضات بين المزاعم المتضاربة، ثابرت دوماً على تحميل الولايات المتحدة مسؤولية أولية في مسعى لإسقاط النظام. والمفارقة هنا أن هذا النظام قد تمكن من الاستمرار إلى اليوم، لا بفعل قوته الداخلية، وهي المجزوءة والمتآكلة، ولا بفعل حلفائه الخارجيين، على رغم قناعة محور الممانعة المزعوم بالطبيعة الوجودية للصراع، بل نتيجة لغياب الإرادة الصريحة لإسقاطه لدى الحكومة الأميركية. إذ لو توافرت هذه الإرادة، لكان في الإمكان ترشيد الدعم الذي تحصل عليه المعارضة، تمويلاً وتجهيزاً لمواجهة التعزيز المتواصل الذي يتلقاه النظام من حلفائه. ومع إلغاء عامل الترجيح الخارجي، لما تمكن النظام من متابعة نهجه العبثي في تدمير البلاد بدلاً من التسليم بالمحتوم.

وثمة من يود إدراج غياب الإرادة الأميركية لإسقاط النظام، والذي يتجلى بانكفاء الرئيس أوباما عن الموضوع السوري في ما يتعدى المبادئ والشكليات، في إطار رغبة لدى واشنطن باستنزاف الأطراف المتورطة في الصراع في سورية، المعادية منها طبعاً بل كذلك الحليفة. وإذا كانت هذه القراءة تستعمل في بعض الإعلام والتوظيف السياسي، فإنها غير متجانسة مع التقويم الغالب حتى في أوساط الرئيس والذي يرى أن منتجات الأزمة وتداعياتها، سواءً على مستوى تهديد استقرار الدول الصديقة، أو تعبئة جيل جديد من المتشددين الذين لا بد لهم في نهاية المطاف من أن يقصدوا الولايات المتحدة في عدائهم، تفوق بوضوح أية فائدة يمكن أن تُجنى من إرغام إيران على ضخ مدخراتها في معركة سورية.

وفي حديث محيط الرئيس أوباما عن موقفه من الموضوع السوري، غالباً ما تستحضر تجربتان: العراق وليبيا. فالتدخل الأميركي في العراق، وفق القراءة المتداولة في الأوساط المقربة من الرئيس أوباما والداعمة له، جاء نتيجة إفراط في التقدير للخطر الذي يشكله النظام على المصالح الأميركية، ومبالغة في المعلومات حول امتلاكه أسلحة دمار شامل، وتهور في التنفيذ الذي جاء ارتجالياً، فكانت النتيجة حرباً من دون جدوى استنزفت الطاقات ولم تحقق من النتائج ما يمكن الركون إليه للتأسّي. بل العراق اليوم يعود إلى السلطوية ويتفتت، فيما إيران التي كان عراق الأمس يحتويها تتمدد.

أما التجربة الليبية، وهي التي كادت المقومات كافة، السياسية والميدانية والسكانية والطبيعية، أن تعمل تباعاً لتيسيرها، فهي، وإن حققت إسقاطاً للنظام، لم تأتِ ببديل يمكن الاطمئنان إليه، بل فتحت أبواباً كانت موصدة لانهمار السلاح والتطرف إلى نواحٍ في الجوار كانت بمنأى عنها.

وينتقل أصحاب هذه المقولات مباشرة إلى المقارنة مع الحالة السورية تحذيراً وتنبيهاً. فالوضع في سورية، من وجهة نظر المصلحة الوطنية للولايات المتحدة، لا يشكل دافعاً لتحرّك فوري، والتقارير عن استعمال العتاد الكيماوي ليست قاطعة ولا يجوز أن يبنى عليها تبديل الحذر في الموقف، والتهويل في الحديث عن تساقط الضحايا يتغافل عن أن المجهول القادم في حال انهار النظام قد يجلب من المآسي ما يتجاوز ما هو حاصل اليوم بأشواط. فالرئيس أوباما، وفق هذا الطرح، يتروّى ولا يتلكأ، ويتجنب التهور الذي من شأنه توريط البلاد بمغامرة غير محسوبة. بل يستغرب المدافعون عن أوباما الدعوات إلى الإسراع في الحزم، والصادرة عن بعض السياسيين والمحللين، مذكرين بأن العمل الحاسم، الميداني والسياسي، والذي أقدمت عليه الولايات المتحدة في كل من البوسنة وكوسوفا، جاء بعد فترة غير وجيزة من المساعي التوفيقية التي لم تثمر.

وفيما يشكل هذا الطرح، للوهلة الأولى، اعتذاراً معقولاً للرئيس، فإنه يفتقد التماسك على أكثر من صعيد. فإذا صحّ أن في وسع الولايات المتحدة أن تتحمل الضرر الناتج إلى اليوم من الصراع في سورية، سواءً في ما يطاول مصالحها المباشرة أو استقرار حلفائها، فإن هذا الضرر يتعاظم من دون قيد، وكلفة احتوائه ترتفع، أي أن الولايات المتحدة يوم تجد نفسها مضطرة إلى اتخاذ موقف حازم، لن يعود كافياً إدارة الأزمة بمعطيات الحلفاء، بل لن يعود بد من توظيف طاقاتها بمقادير مطردة الارتفاع. واستفحال الأحوال في سورية استقطب شباباً من دول عدّة، جلّهم ممن لم يكونوا ذوي سابق تعبئة، ومن يتمكن من العودة منهم إلى دياره سيعيد تجربة «العرب الأفغان» في جنوحه إلى تهديد الاستقرار المحلي. وفي سورية نفسها، فالشحن الفئوي لم يعد مبنياً على الخطابيات بل على مشاهد المجازر التي تستولد المجازر، وإمكانية رأب الصدع تكاد أن تكون معدومة.

والكلام على التروي المزعوم لتجنب الأسوأ ينقضه جملة وتفصيلاً ما شهده العالم من انكفاء للحركة المدنية المتفائلة التي أطلقت شرارة الحراك أمام بطش النظام، فيما القوة العظمى الوحيدة، متسترة بالأسرة الدولية، تقدم المهلة تلو الأخرى لإيجاد مخرج يعفيها من تبديل الموقف.

ولا شك في أن الرئيس أوباما يفضل سقوط النظام، إلا أن هذا التفضيل لا يرقى إلى درجة تحمّل مسؤولية إضافية هو قادر في حساباته على تجنّبها. فلا الجمهور الأميركي معني بهذه القضية، ولا هي بلغت قدراً من الإضرار الواضح بالمصلحة الأميركية يلزم التحرك.

فأوباما خاضع للمساءلة، سياسياً وشعبياً، عن كلفة الحركة التي يقدم عليها، لا عن كلفة السكون. فالانسحاب المباغت من العراق قد يكون أساء الى فرص العراق تمتين الثقة المفتقدة بين مكوناته. إلا أن هذه النتيجة لا ثمن سياسياً لها في الولايات المتحدة، بل ترحيب شعبي بتنفيذ الوعد الانتخابي بالانسحاب. والإنهاء المتسرع للعملية العسكرية في ليبيا قد ساهم في عرقلة جهود ضبط الأمن والسلاح، إلا أنه منسجم مع تحبيذ الرئيس للتخلي عن أي دور عسكري عند الإمكان.

اليوم، والأزمة في سورية تسير نحو الاستفحال، فإن الرئيس أوباما مرشّح أن «يتروّى» إلى أن يجد نفسه مرغماً على حركة ضاعفت كلفتها رويته.

الحياة ـ ١٩ مايو ٢٠١٣

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة