36 views

صفر "جنيف الثاني" ـ راتب شعبو

أمران يحولان دون نجاح مؤتمر جنيف الثاني، الأول هو تباعد الشقّ بين طرفي الصراع في سوريا إلى حد لا يسمح بحل وسط. والثاني هو أن مصالح الدول الداعمة للنظام (روسيا والصين) والتي لطالما تعاملت مع سوريا في ظله كحليف مضمون، لا تقبل القسمة على اثنين. فإما أن يكون في سوريا نظام سياسي “يتفهم” مصالحها أو أن تخرج من المعركة مهزومة خالية الوفاض. ومن غير المتوقع أن تقبل هاتان الدولتان، لا سيما بعد كل ما قدمته من دعم للنظام في السلاح والمال والسياسة خلال أكثر من سنتين من الصراع، بخسارة مصالحها في سوريا.

من الصعب وربما من المتعذر الوصول إلى أرضية حل وسط بين النظام والمعارضة. النظام يدرك أن معركته هذه، مثلها في ذلك مثل كل الصراعات التي خاضها ضد المعارضة السورية منذ أن وطد لنفسه، معركة كل شيء أو لا شيء. تعرف العناصر الأساسية والراسخة والفاعلة في النظام أن التنازل عن سلطات مهمة لصالح المعارضة إنما هو بداية نهايتها، وهي نهاية قد تنتهي بهم معلقين على أعواد المشانق، ما يجعل موقفها من أي شكل من الحوار أو التفاوض أو ما شابه، نوعاً من السياسة بمعناها الرديء، أي نوعاً من التحايل واللعب على الوقت لتحقيق تغيرات أكبر على الأرض. لا سيما أن مؤتمر جنيف الثاني سيعقد، إذا عقد، على الطريقة الفيتنامية، أي مع استمرار المعارك، حيث لا يمكن وقف النار في سوريا لسبب واحد على الأقل وهو عدم خضوع الجهات المعارضة المقاتلة لقيادة واحدة. وإذا كان الخوف من هذا المآل هو مما يدفع النظام الحالي للتعامل السلبي مع مؤتمر جنيف الثاني فإنه يمكن حلحلة هذا الأمر بتقديم ضمانات معينة على الطريقة اليمنية. غير أن الفاعلين الدوليين (روسيا وإيران) لا يشربان من هذا المورد، لذلك سيكون ثقلهما منصبّاً على الحفاظ على النظام بصيغته العامة مع تعديلات ثانوية تفرغ الثورة السورية من جدواها، أو على الحفاظ على النظام كما هو، وإن كان على أرض أقل. الأمر الذي يرشح سوريا لحرب مديدة، ويجعلها ساحة صراع دولية وإقليمية على النمط اللبناني.

من جهتها، فإن المعارضة السورية مرشحة لخسارة مضاعفة في دخولها على خط جنيف الثاني. الخسارة الأولى هي نكوصها عن تعهدها المتسرع وغير المدروس برفض الحوار مع النظام وعدم القبول بأقل من إسقاط النظام بكل أركانه ورموزه، وهو النكوص الذي تحقق على يد السفير الأميركي روبرت فورد، ما يزيد في بؤس صورة المعارضة في أذهان الناس، على أنها معارضة انفعالية (بصرف النظر عن مدى الإجرام الذي يمارسه النظام ويدفع المرء للجنون وليس فقط للانفعال) ومرتهنة (بغض النظر عن حاجة المعارضة للخارج واضطرارها للاعتماد على هذا الخارج الذي لا يختلف في طبيعته ومراميه عن طبيعة ومرامي النظام السوري نفسه). والخسارة الثانية هي الدخول في مسار لا ينتهي من مفاوضات لن تحصد منها المعارضة شيئاً اللهم سوى قشور. لأن الطرف الذي يملك السلطة الرسمية والمعترف بها إلى اليوم، بغض النظر عن كل طقوس وشعائر الجامعة العربية وأعضائها، لا يملك أن يعطي شيئاً من سلطته الفعلية للمعارضة. وعلى هذا شكل رفض المعارضة السورية للحوار مع عجزها عن الحسم العسكري حماية دائمة للنظام من حيث إعفائه من إحراج رفضه هو للحوار خوفاً مما يرتبه الحوار من استحقاقات نقل التوازن العسكري على الأرض إلى مستوى سياسي. فرفض الحوار جعل النظام يبدو أنه مضطر للقتال أمام جهة لا تقبل إلا زواله، في لوحة تحمل الكثير من الشبه مع الغطاء الذي استخدمته اسرائيل في عدوانها المستمر كدفاع عن النفس في وجه محيط يريد إزالتها من الوجود و”رميها في البحر”.

وكان كلام الرئيس السوري دالاً في حديثه مع صحيفة “كلارين” الأرجنتينية، حين عبّر عن شكوكه في نجاح جنيف الثاني، مؤكداً أنه سيرشح نفسه للانتخابات الرئاسية القادمة في 2014 ولن يقبل بدخول مراقبين للإشراف على هذه الانتخابات إلا من الدول الصديقة مثل روسيا وإيران. في كلام الرئيس إشارة واضحة إلى أنه يتعامل مع جنيف الثاني منذ الآن كمؤتمر فاشل، وإلا فإن القرار في شأن هوية المراقبين الذين سيشرفون على الانتخابات الرئاسية ما كان ليعود إليه وإلى سلطته فقط، بل إلى ما يقرره المؤتمر المذكور.

المصالح الروسية والإيرانية في سوريا دفعت هذين البلدين إلى تحمل الكثير من التكاليف والتبعات في حماية النظام السوري الحالي، ومن غير الممكن أن تقبلا بضياع جهودهما عبثاً لصالح تفاهم بين طرفي الصراع السوريين. كما ستلقي طموحات الدول التي دعمت الحراك الثوري في سوريا بثقلها على عملية التفاوض بين الطرفين السوريين. ومن ناحية أخرى لن يكون في مصلحة أقطاب النظام السوري الحالي التخلي عن صلاحيات مهمة سيؤدي التخلي عنها إلى تفكك النظام بحكم طبيعته الصلبة. هذا ما سيجعل فرص نجاح جنيف الثاني قريبة من الصفر، بما يفتح المجال أمام تدخل خارجي في سوريا، قد يفتح الصراع على آفاق إقليمية وعالمية.

 الاثنين 20/05/2013, المدن

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة