40 views

الظروف تغيرت.. وكذلك الصداقة ـ إياد ابو شقرا

هل بقي هناك أصدقاء لسوريا؟ إنه سؤال بديهي لا بد من طرحه قبل أن تلتقي اليوم في العاصمة الأردنية عمان «مجموعة الـ11»، أو المجموعة الأساسية لـ«أصدقاء سوريا» في اجتماع يسبق اجتماع «جنيف 2» الموعود.

ماذا يريد بعض «أصدقاء سوريا» بالضبط، وهل يستحق جميع حضور لقاء عمان وصف «الصديق»؟

إن أي خطوة ذات معنى في الشأن السوري يجب أن تشمل هدفين اثنين، هما: إنهاء نزف الدم في سوريا، وإعادة بناء النسيج الاجتماعي الذي مزقه القمع الدموي الطائفي لنظام بشار الأسد ومسانديه الإقليميين.. وأكمل مهمة التمزيق دخول جماعات متشددة «تحاور» النظام بلغته، وتتعامل معه بالأسلوب الذي يتقنه ويريده.

بالنسبة للغاية الأولى، أي وقف نزف الدم، يبدو الآن من المستحيلات كف النظام عن القمع الدموي والتدمير الممنهج إذا ترك وشأنه من دون مواجهته برسائل رادعة. فبعد سنتين من الدعم المطلق الذي يحصل عليه النظام من إيران وروسيا – على مختلف الأصعدة – مقابل التقاعس الأميركي المكشوف، لم يقتنع نظام بشار الأسد، ولن يقتنع، بأي حاجة إلى وقفة تفكير ضميرية تفضي إلى إنهاء القتل. بل إن ما نراه ونسمعه هو العكس تماما.. فالأسد يكرر في كل مناسبة معزوفته المألوفة حول إصراره على إنقاذ سوريا ممن يصفهم بـ«العصابات الأصولية التكفيرية».

الرئيس العراقي السابق الراحل صدام حسين، كما نذكر، لعب لأكثر من عقد من الزمن ما يشبه «لعبة القط والفأر» مع واشنطن والمجتمع الدولي. ويومذاك كانت موسكو على أهبة وداع الحقبة السوفياتية، وتحاول إقناع حلفائها بأنها ما زالت سندا لهم، ولن تضحي بهم أو تتخلى عنهم. غير أن صدام حسين صدق أن موسكو، في مرحلة العد التنازلي لنهاية الثنائية القطبية، قادرة على لجم واشنطن إلى ما لا نهاية. ولكن بعدما، انتهى عهد «الجمهوريين المعتدلين» برئاسة جورج بوش الأب، ثم عهد «الديمقراطيين الليبراليين» مع بيل كلينتون، استعاد «الجمهوريون المتطرفون» البيت الأبيض تحت رعاية «المحافظين الجدد»، فكان ما كان في العراق.. بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001.

مع هذا لا بد من القول إن وضع العراق عام 2003 يختلف عن وضع سوريا عام 2013، على الرغم من كون سجل نظام الأسد يوازي سجل صدام السيئ في مجال حقوق الإنسان، أو مجال الاستئساد على جيرانه.. تارة باسم العروبة وطورا تحت ذريعة تحرير فلسطين. وبين أهم الاختلافات، ما يلي:

أولا: «واشنطن المحافظين الجدد» والمغامرات العسكرية عام 2003.. غدت اليوم «واشنطن باراك أوباما» التي أتعبتها مغامرات «المحافظين الجدد» وأنهكتها الأزمة المالية المتطاولة، فباتت تفتش عن أي حجة لتبرير الإحجام عن أي تحرك.. ولو من أجل إنقاذ شعب يتعرض للقتل والتهجير لمجرد انتفاضه على ديكتاتورية أمنية – طائفية جثمت على صدره لأكثر من أربعين سنة.

ثانيا: إسرائيل التي أقلقها طموح صدام حسين لم يخالجها ولا يخالجها أي قلق من أعمال بشار الأسد، وأبيه من قبله، من واقع خبرة في «التعايش» امتدت من 1973 وحتى اليوم. بل، بخلاف المناورات الكلامية العبثية، لا تبدو إسرائيل مضطربة من الإمكانيات النووية الإيرانية القائمة والمعلنة، وهي التي باعت أسلحة لإيران الخمينية خلال عقد الثمانينات من القرن الماضي – إبان الحرب العراقية – الإيرانية الأولى. وأكثر من هذا وذاك، عندما خطط «اللوبي الإسرائيلي» في واشنطن – الذي يتمتع بموقع مكين في قلب جماعة «المحافظين الجدد» لحرب العراق الأخيرة وأشرف على تنفيذها – فإنه كان يدرك مسبقا الاحتمالات الجيو – سياسية لإسقاط صدام حسين واستدعاء النفوذ الإيراني إلى العراق، ومن مد طهران نفوذها غربا إلى ساحل شرق المتوسط.

ثالثا: تغيرت موسكو كثيرا بين 1985 و2003.. ثم اليوم في عام 2013. الاتحاد السوفياتي المترهل أنهاه ميخائيل غورباشوف، وأجهز عليه بوريس يلتسين بنهاية 1991. وبعد انحطاط الفترة اليلتسينية استعاد فلاديمير بوتين، أحد نجوم «الكي جي بي»، السلطة.. وهو منشغل اليوم بإعادة بناء دولة قيصرية جديدة، والثأر من واشنطن لإذلالها «الأم روسيا».

رابعا: إيران المحاصرة (بفتح الصاد) قبل إسقاط صدام حسين، باتت اليوم القوة المحاصرة (بكسر الصاد)، التي ما عادت تكتفي بتفجير الكيانات العربية المجاورة – والبعيدة – من الداخل عبر التحريك الطائفي باسم «المقاومة»، بل تنشط أيضا في تحييد بعض أبرز القوى الإسلامية في دول «الربيع العربي»، وتحرضها على دفن انتفاضة الشعب السوري.

اليوم تتلفت الانتفاضة السورية يمنة ويسرة بحثا عن «أصدقاء» يوقفون قمع النظام السوري وتسريعه تنفيذ خطته التقسيمية بالسيطرة على مدينة حمص وريفها، فلا تجد إلا قلة قليلة. ومع الاحترام لـ«الأصدقاء» الحقيقيين الذين يتعرض بعضهم للوم القوى الدولية النافذة، يؤمل من معظم من سيلتقون اليوم في العاصمة الأردنية أن يتحلوا بقدر من الصدق مع الشعب السوري، وقدر أكبر من الشجاعة في وجه المتآمرين عليه.

فهل هناك، حقا، أي أمل في تخلي الأسد والطغمة الحاكمة عن السلطة عبر الحوار، وهو الذي يستقوي بمزيد من الصواريخ وأسلحة الفتك المحظورة، ناهيك من إسناد الميليشيات الطائفية؟

وهل سيفعل الكلام المعسول فعله فيبتعد الأسد وطغمته وينتهي الكابوس السوري، أمام إصرار موسكو على مواقفها و«انسجام» واشنطن مع «التشخيص» الروسي للأزمة والحل؟

بل هل يتخيل أي مراقب عاقل أن طهران، التي استثمرت في الوضع القائم في كل من العراق وسوريا ولبنان عبر أكثر من ثلاثة عقود من الزمن الرجال والمال والسلاح والخدمات من شتى الأنواع والأشكال، ستتخلى هكذا بكل بساطة عن استثماراتها وطموحاتها الإقليمية، فتنكفئ عن ساحل المتوسط.. وتترك دول المنطقة وشأنها.

أعتقد أن لا أحد سوى السيد الأخضر الإبراهيمي، وربما جون كيري، سيجيب بالإيجاب عن هذه الأسئلة!

22/5/2013- الشرق الأوسط

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة