47 views

التحرير من دون أوهامه ـ حسام عيتاني

سنقرأ غداً ونسمع الكلمات ذاتها. تحيات إلى من صنع تحرير جنوب لبنان من الاحتلال الإسرائيلي. تمجيد للذات المعصومة. تهديد ووعيد إلى كل مخالف ومختلف. تأكيد للعدو على جاهزيتنا التامة في مواجهة أطماعه الخبيثة ولؤمه الأبدي.

سنشاهد البرامج التلفزيونية التي أعدت بلا أي خيال أو موهبة عن الذكرى الثالثة عشرة لدحر الاحتلال الإسرائيلي عن ربوعنا الطاهرة. وشهادات تقال للمرة الثالثة عشرة عن آثام العدو الغاصب وطهر المقاومين وأهل المناطق المحتلة. القوالب جاهزة كذلك الجمهور.

كل هذا يظل مقبولاً. فالاحتلال الإسرائيلي صفحة سوداء من تاريخ لبنان، ينبغي أن لا تُنسى الكوارث التي رافقتها. بيد أن الطابع التلقيني في استعادة الذكرى يشير إلى ما هو أبعد من الاستفادة المباشرة من دروس الاحتلال ومقاومته، وحتى من استثماره السياسي من قبل الجهة التي سيطرت على المقاومة.

وعلى مسافة ثلاثة عشر عاماً من انسحاب القوات الإسرائيلية، تبدو صورة لبنان شديدة السواد، ذلك أن التحرير سحب من اللبنانيين آخر ذرائع فشلهم في بناء دولتهم واجتماعهم وعرض عللهم الداخلية على الملأ. كان جزء من اللبنانيين يعتقد، بسذاجة ما بعدها سذاجة، أن الانسحاب الإسرائيلي سيفتح الباب أمام تحرر لبنان من وظيفته كورقة مساومة إقليمية وكساحة لتصفية الحسابات الخارجية. بيان المطارنة الموارنة في أيلول (سبتمبر) 2000، يذهب في هذا المنحى.

وكالعادة، ظهر أن مخيلة اللبنانيين أقصر من أن تحيط بما أعد لبلدهم. نُفض الغبار عن قضية مزارع شبعا. ووجد لبنان نفسه مجنداً لخدمة مشروع آخر تفوق أهميته مفاوضات النظام السوري مع إسرائيل. لقد دخلنا منذ الانسحاب الإسرائيلي في الحسابات الإيرانية المباشرة التي أمسكت بـ «الورقة اللبنانية» إمساكاً مزدوجاً عبر أجهزة الأمن السورية و»حزب الله». صار علينا أن نربط مصير بلدنا بالمفاعلات النووية الإيرانية وبدرجة تخصيب اليورانيوم في منشأة نتانز.

الأهم، أن التحرير أعاد طرح مسألة بناء الوطن المستحيل. وأشاح غشاوة الأوهام التي رافقت مرحلة «إعادة الإعمار» في التسعينات ووضعت اللبنانيين أمام الحقيقة المرّة: لا إجماع وطنياً على شيء. من تعريف الدولة إلى تعريف العدو، وصولاً إلى المصلحة الوطنية والاستقلال والسيادة والعلاقات مع الخارج.

أظهر التحرير أن احتلال إسرائيل لجزء من الأراضي اللبنانية، كان ابسط مشكلات اللبنانيين وأن الانسحاب الإسرائيلي كشف زيف التسويات التي توصلوا إليها في ختام حروبهم عام 1990. وجاء اغتيال رفيق الحريري في 2005 ثم حرب تموز (يوليو) 2006، ليؤكدا أن مهمة بناء لبنان المستقل ما زالت معلقة وأن القوى المحلية أضعف بكثير من أن تتحمل مسؤوليات سياسية حقيقية، مُفضّلة عليها منظومة الولاءات للخارج، بغض النظر عن تبعات ذلك على اللبنانيين.

بكلمات ثانية تخلو من المواربة والتضليل، كان التحرير بداية رحلة اكتشاف عمق التبعية اللبنانية وهشاشة مشروع الدولة وانتفاء المواطنة في هذه الأرجاء. وليس الصعود الدرامي للعصبيات الطائفية وهيمنة أنصاف المعتوهين على المشهد السياسي العام في لبنان، غير عوارض جانبية لمرض انهيار الاجتماع اللبناني، بشقيه السياسي والمدني.

وفي منأى عن زجليات مقاومة تذهب إلى حيث يطلب أولياء أمرها منها، يرتفع السؤال عن معنى الاستقلال والوطن والدولة ما دمنا لا نعرف كيف نخرج من قوقعة الطائفة والعشيرة والمذهب. ما دمنا نستطيب العيش في الأوهام. وما دام مستقبلنا هو جنازات لا أول لها ولا آخر.

الحياة ـ ٢٤ مايو ٢٠١٣

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة