51 views

المعارضة السورية ومسار العملية السياسية ـ فايز سارة

على الرغم من روح الاحباط، التي تحيط بالوضع السوري واحتمالات تطوره الكارثية، فثمة آمال جنينية، باتجاه فتح بوابة خط عملية سياسية هدفها معالجة الوضع في سوريا، والذي فشلت الجهود طوال ست وعشرين شهراً في تحقيق انجاز ملموس فيه. والاساس في هذا التقدير، توافق روسي اميركي حول خطة جنيف (2)، وهو توافق لم يكن متوفراً في أي فترة سابقة، ما ادى الى فشل كل مبادرة عملت باتجاه إيجاد حل للازمة، كما في مثال مبادرتي الجامعة العربية، وجهود المبعوثين العربيين الدوليين كوفي عنان والاخضر الابراهيمي.

واهمية التوافق الروسي الاميركي حول خطة جنيف (2) يستند الى معطيات، ابرزها ان الجهود الروسية الاميركية، تنضم معاً في خطوة مشتركة هي الاهم منذ انفجار الوضع قبل أكثر من عامين، والامر الثاني، ان الاطراف السورية وصلت الى مأزق معقد، يتمثل في عدم قدرتها على حل ومعالجة الازمة عبر حل عسكري ممكن في مدى قريب، يتم من خلاله إسقاط النظام بالقوة او إعادة اخضاع السوريين وثورتهم للنظام الحاكم، وهو وضع بات يتطلب البحث عن بدائل سياسية لعلاج الازمة. والامر الثالث في أساس التقديرات، ان القوى الاقليمية والدولية، تواجه اليوم تصاعد التداعيات الاقليمية للازمة وسط الاحتدامات المتنامية والخطرة في دول الجوار السوري، وهي احتدامات سياسية واقتصادية واجتماعية وعسكرية وامنية، سيؤدي انفجارها او بعضها الى اخطار غير محسوبة النتائج، وسوف تتجاوز نتائجها حدود المنطقة باسرع مما يتصوره الكثيرون.

غير ان التفاؤل بامكانية نجاح جنيف (2)، يصطدم بارث من اشكال تعامل الاطراف السورية مع المبادرات السياسية، لعل الاهم فيها سياسة النظام، التي وان رحبت في بعض الاحيان بالمبادرات والجهود السياسية لمعالجة الازمة، كما حدث في الموقف من جهود كوفي عنان والاخضر الابراهيمي، فانها كانت من الناحية العملية، تقوم بخطوات تؤدي الى سد السبل في وجه تلك المبادرات وافشالها، كما في مثال رفضها اطلاق سراح الموقوفين والسماح بدخول المساعدات الدولية وبصورة حرة الى الداخل السوري، وهذه بين أبسط الخطوات العملية التي طرحها كوفي عنان في خطته.

ولا يقتصر الإرث السلبي على مواقف النظام، بل تشاركه ايضاً المعارضة بمستوى معين، والتي تملك إرثاً ممائلاً في تعاطيها مع مبادرات حل الازمة السورية وخاصة لجهة تنوع مواقفها وتصادمها من ناحية، ومن الناحية الثانية إغفال أهمية نتائج الخطوات التي يمكن ان تتحقق، وفصلها عن المسار العام للعملية السياسية، والتركيز على الشعارات، وجعل الشعارات السياسية بمثابة هدف اول بغض النظر عما يحيط بالازمة وعلاقات الاطراف داخلها وفي محيطها من توازنات قوة وضعف، وقد وفرت تلك المواقف اضافة الى تراخي المجتمع الدولي وضعف موقفه فرصة للنظام في المضي ببرنامجه العسكري الامني في تقتيل الشعب السوري وتهجيره وتدمير قدراته وامكانياته.

وسط هذا المستوى من التفاؤل والارث المحبط، المرافق لطرح خطة جنيف (2)، جاء انعقاد اللقاء التشاوري الوطني السوري الذي ضم عشرات من شخصيات مستقلة وممثلي جماعات سياسية في المعارضة حول افاق العملية السياسية الممكنة في سوريا، واصدر اللقاء وثيقته “اعلان مدريد 2013” محدداً المسار العام لرؤية المعارضة في مقدمات العملية السياسية ومحتواها واهدافها، حيث ان الهدف الرئيس للعملية، ينبغي ان يكون “إسقاط النظام بكل رموزه، والتأكيد على نزع شرعيته كاملة، وإقامة نظام ديمقراطي بديل، يوفر الحرية والعدالة والمساواة وسيادة القانون والحريات لكل السوريين، ويخرج بسوريا والسوريين من الكارثة التي أوقعها بهم النظام”.

وبالتوازي مع الهدف الذي لا يستجيب فقط لمطالب السوريين وثورتهم، وانما لتوافقات غالبية المجتمع الدولي، فقد اعلنت الوثيقة “إن المقدمة الأساسية والملحة لأ ي انخراط في عملية سياسية حول سوريا، سحب الجيش إلى ثكناته، وإطلاق سراح كل المعتقلين وفتح الأبواب أمام دخول المساعدات إلى كل المناطق دون استثناء والسماح بالتظاهر السلمي، والبدء في عودة المهجرين واللاجئين إلى أماكنهم”، وهي المطالب التي جرى طرحها في كل مراحل الازمة باعتبارها تشكل مدخلاً للمعالجة، وقد تضمنت خطة عنان والافكار التي طرحها الابراهيمي تأكيدات على ضرورة القيام بهذه الخطوات.

وتجاوزت وثيقة مدريد ماسبق الى تناول الدور الاقليمي والدولي في العملية السياسية، فرأت حصره بجانب واحد اساسه “تأكيد التزاماته وضمانته الكاملة من أجل قيامه بلعب دور في رعاية أي عملية سياسية تتعلق بسوريا، وضمان نتائجها”، ورغم ان هذا الدور هو أقل واقعياً مما تمارسه القوى الاقليمية والدولية في الموضوع السوري، فان ذلك يبدو متعمداً، وهدفه الحد من التدخلات في الموضوع السوري، وهو امر اشارت اليه الوثيقة عندما تحدثت عن قرار سوري مستقل في مقدمتها، باعتباره الموجه الرئيس في فهم المعارضة لمشاركتها في العملية السياسية وفي الابعد من ذلك.

ورسمت الوثيقة ملامح مشاركة المعارضة في العملية السياسية بما فيها جنيف (2)، بالقول ” أن وفد قوى الثورة والمعارضة في أي عملية سياسية هو من الائتلاف الوطني وباقي أطراف المعارضة” باعتباره” الممثل الشرعي للشعب السوري فيما يتعلق بالمفاوضات” وهذا يتقاطع في محتواه مع الموقف الاقليمي والدولي بكل تلاوينه بما في ذلك الموقف الروسي الذي يصر على وجود فرقاء محددين من المعارضة في اطار الوفد المشارك في المفاوضات مع وفد النظام.

ومضت وثيقة مدريد الى الابعد، عندما تناولت موضوع الحكومة الانتقالية التي يفترض ان تكون مشتركة وصاحبة صلاحيات كاملة، فرأت انها ينبغي ان تتشكل من قبل مجلس حكماء “تتمثل فيه مكونات الشعب السوري برعاية الأمم المتحدة”، يسمي “الحكومة الانتقالية من أصحاب الكفاءات”، ويتولى “الاشراف والمراقبة على أعمال الحكومة”، ويقوم بـ”التمهيد لإعلان دستوري لإطلاق جمعية تأسيسية في خلال عام من تأسيس مجلس الحكماء”، ووسط هذه الفرضيات ” تتولى الحكومة الانتقالية شؤون الحكم بسلطة كاملة، وتقوم بإدارة البلاد إلى أن يتم تحديد أسس النظام السياسي الجديد والقائم على الديمقراطية والتعددية والعدالة والمساواة وسيادة القانون”، كما تقوم الحكومة الانتقالية بدورها الطبيعي في اخضاع “الاجهزة العسكرية والأمنية” لسلطتها” بالتوازي مع التزامها “بإعادة هيكلة هذه الأجهزة ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة”، وسط ممارسة الحكومة لـ”مسؤوليتها الكاملة في الحفاظ على مؤسسات الدولة والعمل على إعادة هيكلتها وإصلاحها بهدف توفير المصلحة العامة وتحقيق الديمقراطية واستقلال القضاء”.

ومما لاشك فيه، ان تقدم المعارضة نحو رسم ملامح طريق لعملية سياسية تعالج الازمة في سوريا، يمثل تطوراً مهماً في وضع المعارضة وفي دورها بالسير بثورة السوريين نحو تحقيق اهدافها باقل الخسائر، وهو أخذ بزمام المبادرة الذي تأخرت المعارضة بالقيام بها، وهو وضع للقوى الاقليمية والدولية امام مسؤولياتها ازاء وضع سوري يشكل امتحاناً سياسياً وانسانياً واخلاقياً لعالم قصر ومايزال اتجاه مايصيب السوريين وبلدهم من قتل ودمار على يد نظام قاتل، غير ان من المهم ايضاً ان تثبت المعارضة قدرتها على التقدم على الطريق نحو عملية سياسية بثبات حتى وان اجرت بعض تعديلات هنا وهناك في خطتها طالما ان الهدف تحقيق مطالب الثورة في اسقاط النظام واقامة نظام ديمقراطي يوفر العدالة والمساواة للسوريين.

25/5/2013 – المستقبل

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة