56 views

نحر سوريا على مذبح جنيف ـ سمير الحجاوي

يبدو أن أمريكا وروسيا تتفاوضان على تقسيم سوريا بينهما، فهما تحثان الخطى لوضع رأس الثورة السورية على مذبح جنيف، للتضحية به من أجل “إنهاء الأزمة” وعدم انزلاق الوضع هناك إلى ما هو أبعد مما وصلت إليه.

الأمريكيون اتفقوا مع الروس على إيجاد حل “مشرف” لخروج جزار دمشق بشار الأسد من المشهد من دون أي تبعات ولا عقاب، ومقابل ذلك يتقاسم نظامه السلطة مع المعارضة في المرحلة المقبلة “الانتقالية”، وهذه هي النتيجة التي كان يسعى إليها الطرفان منذ اندلاع الثورة قبل أكثر من عامين. وعلاوة على ذلك فإن هناك مخاوف من امتداد الحرب إلى لبنان والعراق بسرعة أكبر من المتوقع، وهذا ما لا تريده واشنطن وموسكو.

لكن ورغم المساعي الأمريكية الروسية للسيطرة على الوضع، إلا أن المشهد السوري يزداد تعقيدا يوما بعد يوم، فدخول حزب الله بكامل قوته طرفا في المعارك ضد الجيش الحر وثوار سوريا، يعني أن الحرب أخذت بعدا إقليميا، مما يفتح الباب أمام جر لبنان إلى الحريق السوري، وهو حريق يبدو أنه يقترب بسرعة بالغة رغم محاولة بعض الأطراف العربية الحيلولة دون توسع المعارك إلى لبنان، وهي محاولات نجحت جزئيا حتى الآن، لكن المؤشرات تدل على أن الانفلات يطرق الأبواب في ضوء المعارك بين العلويين والمسلمين في جبل محسن وباب التبانة، وسيادة حالة من التوتر في صيدا أيضا.

الثورة السورية التي تقاتل نظام بشار الأسد الإرهابي منذ 26 شهرا تواجه “كوكتيل” من الأعداء المتنافرين الذين لو وضعتهم في “خلاط” فلن يمتزجوا معا لشدة التنافر “الظاهري” بينهم” لكنهم اتفقوا على إحباط الثورة السورية، والإبقاء على الأسد، أو على الأقل عدم السماح بهزيمته، أمريكا وروسيا وإيران وحزب الله وإسرائيل وبريطانيا وفرنسا، وهي قوى تفرق بينها المصالح والأيديولوجيات، لكن هذه الفروقات تذوب عندما يتعلق الأمر بسوريا وبثورة الشعب السوري.

هذا “الكوكتيل المتنافر المتآلف” دخل في “ورشة عمل” من أجل تفكيك الثورة السورية للوصول إلى خاتمة “ثورة لا تنتصر ونظام لا يهزم”، من خلال إزاحة الأسد عن الواجهة مقابل أن تضع الثورة أوزارها، ومن أجل الوصول إلى هذا الهدف يتبنون أكثر من وسيلة وأكثر من إستراتيجية، وهي على النحو التالي:

أولا: إذا رفض بشار الأسد التنازل، فإن الاتفاق الأمريكي الروسي يقضي برفع الغطاء عنه لدفعه نحو الجدار الأخير من دون حماية كاملة، لإقناعه أن الثوار قريبون من رأسه، وعليه أن يستجيب وإلا طار رأسه، إلا أن روسيا لن تسمح بسقوطه بشكل نهائي ومفاجئ لأنه ستفقد الورقة الأهم في يدها، أما إذا رفض الأسد المغادرة فقد يكون اللجوء للتخلص منه خيارا قائما، وهذا ما دفع موسكو إلى الإعلان عن موافقة الأسد المشاركة في مؤتمر جنيف 2 لتفادي هذا الخيار بشكل كامل.

ثانيا: إذا رفضت المعارضة المشاركة في مؤتمر جنيف وتقديم تنازلات لتقاسم السلطة مع “أشخاص مقبولين” من نظام الأسد، فإن الولايات المتحدة ستلجأ للضغط على تركيا للتضييق على الثوار وسد المنافذ عليهم، والضغط على الدول العربية الداعمة للثوار لوقف دعمهم بشكل كامل وإلا واجهوا الغضب الأمريكي، وفي حال أصر الثوار على الاستمرار بالقتال، هناك بدائل متعددة منها: اتخاذ قرار بوقف تسليح المعارضة والنظام، وضم المزيد من التشكيلات للمنظمات الإرهابية، وترك الثوار السوريون وجها لوجه أمام مقاتلي حزب الله والحرس الثوري الإيراني والمليشيات الشيعية العراقية والجيش العلوي لدفعهم إلى الاقتناع أنهم سيقاتلون وحدهم ولن يمد لهم يد العون.

هذه السيناريوهات الأمريكية الروسية “السوداء” موضوعة على الطاولة، إلا أن هناك عاملين يلعبان ضد مخططات موسكو وواشنطن يتمثل بصلابة الثوار السوريين وإصرارهم على القتال، وتحول سوريا إلى مركز جذب جهادي للشباب العرب والمسلمين، وتوسع الحرب إلى لبنان وفتح جبهة مع إسرائيل، وإثارة مخاوف تركيا وبعض العرب من هيمنة إيران على سوريا كما هيمنت على العراق، وهي الخطة التي ينفذها حزب الله حاليا، فهو يقاتل في القصير وعينه تذهب إلى ما هو أبعد من القصير بكثير، رغم وجود مخاوف من تحول سوريا إلى “أفغانستان حزب الله” تبتلع الحزب الذي فقد 125 من عناصره خلال أيام في القصير، (حزب الله فقد 250 مقاتلا خلال 33 يوما من القتال ضد الجيش الإسرائيلي عام 2006)، وكذلك اندلاع حرب دينية شاملة بين المسلمين والشيعة تمتد من لبنان إلى العراق وربما إلى ما هو أبعد من ذلك.

موسكو وواشنطن تلعبان لعبة خطرة جدا في سوريا، وهي لعبة ستؤدي حتما إلى اندلاع حرب إقليمية للحيلولة دون انتصار أي طرف خدمة لإسرائيل والمصالح الروسية والأمريكية، لكن ما يجري في القصير يكشف أن كل طرف يستميت من أجل الانتصار، وهي “بروفة صغيرة” عما يمكن أن يكون في الأيام المقبلة.

 26/5/2013- الشرق القطرية

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة