66 views

مصير الثورة السورية قبل جنيف 2 وبعده.. ـ مطاع صفدي

الصعوبة الرئيسية في كل مشكلة سياسية مصيرية، ليست في اجتراح الحلول، بل في القراءة المعرفية لمعطيات المشكلة المطروحة.

والسياسيون العرب، قلما يهتمون بالشأن المعرفي، بل اعتادوا اعتماد المعلومات الراهنة التي توفرها لهم أجهزتهم الرسمية، يبقى أنّ الفئات الأخرى من مثقفي المجتمع، أو من نشطاء الأعمال العمومية، فهؤلاء توجههم أفكارهم المسبقة المكونة لشخصياتهم المستقرة على قواعدها النموذجية، والمتوزعة بحسب تصنيفات مؤسساتهم المجتمعية القائمة.

هكذا تبدو الظواهر السياسية اليومية كأنها طوارئ نابتة من ذاتها، قلما يمكن التعرف إلى أسبابها الحقيقية الفاعلة. فأحوال المجتمع المتخلف مفروضة على سكانه كأمر واقع دائماً. وقد يدأب الناس على التنديد بهذه الأحوال من دون أن يجدوا لها تعليلاً أو تسويغاً سوى ردّها إلى المرجعيات المتداولة عن المصطلحات السلطوية الكبيرة. ما يعني أن مختلف هذه الأحوال المجتمعية القابلة للإدانات الشعبوية، هي بشكل ما مُدَوْلَنَة. فهي تنشأ وتُقمع، تحدث دائماً بقوة هذا السلطان العام الذي لم تعد أسماؤه الدولانية كافية لتعيينه، أو أنها لا تضيف جديداً على أشيائه المتسلسلة من بعضها.

وإذ تنفجر الثورات الشعبية آخيراً، وتتابع ظروفها المتعارضة سلباً وإيجاباً، فسريعاً ما يعيد الرأي العام تلاؤمه المضطرب مع إيقاعاتها، سريعاً ما يألف أخبار النجاحات كما الإخفاقات، سريعاً ما يتواطأ مع عذاباته الصامتة ليتلاءم مع أخبار الفظائع والمهالك والإبادات الهمجية الجماعية. كأنما من طبيعة الثورة أن تقسّم ناسها مابين فئة من الذئاب الكاسرة، وفئة أخرى من الحِمْلان الضحايا. والأولى هي الفئة الباغية إلى ما لانهاية، والثانية هي الفئة الهالكة ذات الثمن البخس، في حياتها وفي زوالها؛ فقد صار على العرب أن يتقبّلوا كل صباح ومساء أخبار موتاهم، بالجملة والمفرّق، بنوع من الروتين اليومي، كأنما هؤلاء الضحايا لم يكونوا أحياء قبل أن يُقتلوا. ليست هي اللامبالاة ، تلك الخاصية السيئة السمعة عن اعتياد الكسل الوجداني جماعياً ولا إفرادياً فحسب، ليست هي المسؤولة وحدها عن تكرار الفواجع العقيمة من أية ردود فعل ضدها تكافح تسلسلها الأعمى، فالكسل الوجداني ليس نابعاً من ذاته هكذا، إنه المحصّلة اللاأخلاقية لتوقف العقل الجماعي عن ممارسة القراءة المعرفية لدينامية العنف المستشري من حوله، هذه الدينامية نفسها سوف تغطي على عنف الثورة، تأخذه تحت هالتها، تجرفه مع نفايات الأعطال المجتمعية الأخرى، بل تجعله منتجاً لهوامشها التي تتوالد وتعشّش هي تحت ظلاله الداكنة.

ثورتنا العربية الراهنة هي الحدث الأعظم الذي لا يزلزل العروش القائمة بما لم تعهده من التهديدات المعارضة الدائمة فحسب، لكن مجتمعاتنا الغاضبة، لم تعد تقنعها السياسة، بل غدت هي المجتمعات الثائرة على ذاتها جملة وتفصيلاً، ليس استهداف قِمَم السلطة سوى المدخل الضروري للتصدي لكل مؤسسة نَخِرة عبر هيكلها التسلطي الذي يناظر هيكل القمة الحاكمة ويتبادل معها ديناميات القمع بصورة تلقائية وغير مباشرة، فأية رقابة غربية تتحلى بشيء من علومها (الإنسانوية) تدرك أن هذا الذي يحدث لقارة العرب والإسلام يكاد يتخطى كل ثوابت الكليشيهات التغييرية المألوفة عن ظواهر هذا العالم الغامض. ولذلك يتخبط ساسة الغرب في الفهم والتأويل، ومن ثم يتيهون في اجتراح سيناريوهات التدابير والمواقف. وقد يعترف البعض سراً أو علناً نسبياً أن جعبتهم (الاستعمارية) القديمة من تجارب الحلول الجاهزة باتت مستهلكة، وأن الحاضر العربي يخترقها ويتجاوزها، فلم يعد العرب وحدهم مأخوذين بأحداثهم لا يلوون على شيء من الوعي المعرفي بمجريات الوقائع من حولهم، حتى ثوارهم أنفسهم أمسوا غارقين أو مستغرقين في لجة الحدث العنفي الذي راح يسيّرهم هو أكثر مما يسيّرونه هم.

تبرز حال الاستعصاء المركّب هذا في اللحظة الحرجة الحالية من اشتباك ثورة سورية مع كل نقائضها، وبما يفرض على الأفرقاء في صفّها كما في صفوف الأصدقاء والمتدخلين والأعداء الفاعلين وسواهم، يفرض أحوال العجز عن الحسم فيما يتعلق بمآل المعارك المفتوحة راهنياً، عسكرياً وسياسياً، بسبب من ضياع اليقين عند الجميع حول ما ستكون عليه النهاية الأخيرة لكل هذا العنف الرهيب. ومع ذلك فليس أفرقاء العنف متساوين جميعاً في المسؤولية عن تعجيز إرادة الحل النهائي، ولعل (الغرب) يتحمل العبء الأعظم من عوامل هذا التعجيز، والغرب هنا يُراد به رأسُه الأعلى المدبّر الذي هو أمريكا، منذ أن أصبح قرارها المركزي هو في جعل الثورة تنحدر نحو مستنقع العنف المستديم حتى آخر ثائر يقتل نفسه.

من المعروف أن أعمار الثورات قصيرة نسبياً، إذ أنها تتحقق بالانفجارات الجماهيرية المفعمة بالهيجانات الصاخبة؛ فمن طبيعة الأحداث الثورية أنها فورية وقاطعة، مشروطة بالتركيز على الهدف المباشر، ما أن تبلغه حتى تنطفئ الحماسات الجماعية، غير أن الثورة السورية أُريد لها أن تتحول إلى بحيرة دموية فوّارة، تغذي حرباً إقليمية حولها أو ما يشبه حرباً عالمية من النوع الدبلوماسي لفترة غير محدودة. وفي هذا السياق المشؤوم كان امتناع أمريكا عن الجهر بالأفعال الحاسمة الكبرى، علةً دائمة لمختلف الخيبات التي مُني بها كل تخطيط واعد بالنهاية السعيدة، فقد طال الزمن حتى أدرك بعض قادة الميادين الثائرة أن صيغة (تحالفات الضرورة ) لم تكن أبداً لصالح الكفاح اليومي، أو على الأقل لم تكن مع المشروع الثوري من بدايته حتى نهايته، وإن تظاهرت دائماً بالتبني الملتبس لبعض أطروحاته وظاهراته.

الرهانُ الأوحد لسلوك الرئيس أوباما كانت إشاراته العملية هو إعطاء نظام الأسد المُهَلَ المتتابعة حتى ينجز القضاء على (التمرد). لكن النظام خيَّب آمال المراهنين عليه، القريبين المكشوفين والأبعدين، من غربيين، أمريكيين خصوصاً. أتاحوا له ارتكاب كل الفظائع في حق شعبه وحضارة بلاده، حيّدوا عنه كلَّ زواجر القانون الدولي وجمعياته الإنسانوية، منحوه حماية دبلوماسية عالمية قلّ نظيرها في التاريخ الحديث.

لم يخجل أوباما مرة واحدة وهو يتجاوز خطوطه الحمراء واحداً بعد الآخر أمام الملأ من الرأي العام العالمي، تلك التي سمحت عملياً لحاكم في هذه الدنيا أن ينشر الغازات السامة على سكان القرى والأحياء الآمنة في وطنه، بعد أن استنفد إنجازات مسلسل المجازر الجماعية التي بقدر ما قتلت من المدنيين الأبرياء، فإنها ضاعفت من تجذر الثورة في صميم الإرادة الشعبية حتى باتت هي المعادل الوحيد لبقاء إنسانيتها. كانت النتيجة الأخيرة لمساعي (أحلاف الضرورة)، لكل أساطيرها مع المؤتمرات والتصريحات والوعود الكاذبة، أن يواجه الثوار في المحصلة حالة منع النصر عنهم، وذلك بحجْز أسبابه اللوجستية السلاحية، وبعثرة قواه التنظيمية، كما لو كان ـ هذا المنع ـ تعبيراً طبيعياً عن حال امتناع قابلية الثورة نفسها عن الإتيان بالضربة القاضية المتصورة.

الثورة السورية التي لم يقض عليها أوحش نظام استبداد عرفه تاريخ العسف الشيطاني، والثورة التي لم تستطع أساطير أحلاف الضرورة أن تبدد قواها نهائياً، هذه الثورة التي كانت ومازالت تدقّ على أبواب دمشق، وكادت أن تكون قاب قوسين أو أدنى من إسقاط (قصر) الإرهابي الأكبر، هذه الثورة يُراد لها أن تُسطّر بدمائها أحرفَ هزيمتها، كما لو أنه صار عليها أن تُلملم شتاتِها من ميادين.. مصارعها. إنه ‘الحل السلمي’ الذي يجر رؤوسها الحامية إلى الغرف السوداء، إنه مؤتمر(جنيف 2)، الذي تم تحديده كمهلة جديدة في مسلسل الأوقات الميتة المفروضة على الزمن الثوري. فمن يُراد بهم أن يقبلوا التسليم بالأمر الواقع هم من كانوا، ومازالوا العاملين على تغييره بسواعدهم وأرواحهم. فليست المسألة هي أن يتجاور ويتحاور المتساوون فيما بينهم، بل كأنما صار على الثوار/الضحايا أن يردوا الشرعية الضائعة إلى جلاديهم.

الحل السياسي الحقيقي ليس هو الذي يقلب الأدوار بين أفرقائه، فالثوار هم المستمرون في مشروعهم، وإن كان لهم أن يتوقفوا يوماً، فلن يكون ذلك إلا إيذاناً بانعقاد المحكمة العادلة المنتصرة للحق وحده، والمُدينة للباطل والباطلين، هذه البديهية لا يسلّم بها أصحابُ الوجدان الكسول، من نوع بعض الجمهرات الشعبوية في بلادنا، كما دأب على عدم الاعتراف بها كل مجتمع طارئ من زمرة (أحلاف الضرورة ) وأضرابهم. لكن الفاجعة المريبة حقاً هو انحناء بعض الرؤوس غير الحامية من هوامش الثوار، وهم يدخلون إلى مجاهل (جنيف 2)، بينما يتابع ثوار الميادين والشوارع معاً نداءهم التاريخي منذ أول صرخة للشباب الغاضب: الشعب يريد إسقاط النظام!

27/5/2013 – القدس العربي

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة