49 views

قضية سوريا لا تختزلها القصير… ـ خير الله خير الله

لنفترض أن قوات النظام السوري استطاعت بدعم من عناصر “حزب الله” السيطرة على بلدة القصير القريبة من حمص وذات الأهمية الاستراتيجية من نواح عدة. في مقدّم هذه النواحي أن القصير تقف عائقاً في طريق الربط بين دمشق والساحل السوري حيث الوجود العلوي. وهذا يعني في طبيعة الحال، أن هناك حاجة الى القصير في حال اضطر أهل النظام الذين يوجدون حالياً في دمشق الى الانتقال الى الساحل السوري.

كذلك، لنفترض أن القوات التابعة للنظام، التي يشارك معها “حزب الله” في القتال حقّقت انتصاراً كبيراً على الشعب السوري واحتلت قراه. ولنفترض أيضاً أن “حزب الله” أقام ممرّاً آمناً بين منطقة الهرمل اللبنانية والساحل السوري. هل يقدّم ذلك أو يؤخر؟

الجواب بكلّ بساطة أن ذلك لا يقدّم ولا يؤخر وأن المطلوب اليوم قبل غد إيجاد حلّ جذري، ذي طابع سياسي، يأخذ في الاعتبار حقيقة الوضع السوري. وحقيقة الوضع يمكن اختصارها بأن الشعب السوري يرفض النظام القائم ويرفض الاستعمار الإيراني لسوريا.

لو لم يكن هناك وضع سوري جديد، لما استمرّت الثورة منذ ما يزيد على عامين، أي منذ آذار- مارس 2011 عندما انتفضت دمشق، ثم انتفضت درعا… وانتفضت بعد ذلك سائر المدن والمناطق السورية، من حمص وحماة وإدلب وصولاً الى حلب ومدن الساحل على رأسها بانياس.

إنّ الثورة السورية ليست حدثاً عابراً وذلك، بغض النظر عمّا سيحصل في القصير. هذا ما تعجز روسيا عن فهمه، كذلك إيران والأدوات الإيرانية، بما فيها “حزب الله”.

يمكن فهم العجز الروسي عن استيعاب ما يجري في سوريا. لا تريد موسكو الاعتراف بأن النظام انتهى وأن كل ما تستطيع عمله هو توريط النظام في مجازر أخرى ترتكب، للأسف الشديد، بواسطة السلاح الروسي.

لم تفعل روسيا يوماً، منذ كانت امبراطورية اسمها الاتحاد السوفياتي، سوى الرهان على الأنظمة الديكتاتورية التي تقهر شعوبها. لم تهتمّ يوماً من الأيّام بالشعوب العربية. كان هناك دائماً نوع من الازدراء لهذه الشعوب ومصيرها، بما في ذلك للشيوعيين العرب. كانت هناك دائماً رغبة واضحة في استخدام الشعوب العربية لأغراض مرتبطة بسياسة سوفياتية، ثم روسية قصيرة المدى. ليس صدفة، في ضوء هذه السياسة أنّ موسكو لا تقيم علاقات معقولة مع أيّ دولة عربية، باستثاء سوريا. حتى العلاقات بين موسكو والجزائر تبدو متذبذبة إذا أخذنا في الاعتبار ما شاب صفقة السلاح الأخيرة بين البلدين وما رافقها من فضائح. لا تشبه هذه الفضائح سوى تلك التي رافقت المحاولات العراقية لعقد صفقة سلاح ضخمة مع الاتحاد الروسي. ليس معروفاً بعد هل الصفقة العراقية – الروسية يمكن أن تنجز يوماً. الشيء الوحيد المعروف أن السلاح صار الرابط الوحيد بين موسكو وبعض العرب، في حين كان في الإمكان إقامة علاقات صحّية من نوع مختلف بين وريث الاتحاد السوفياتي ومعظم البلدان العربية، خصوصاً في الخليج.

هناك فرصة حالياً، بعد انعقاد “مؤتمر أصدقاء سوريا” في عمّان تمهيداً لانعقاد مؤتمر جنيف-2. هناك فرصة لمعالجة مختلفة للوضع السوري تقوم على اقتناع الجميع بأن ليس في الإمكان الانتصار عسكرياً على الشعب السوري.

كلّ ما يمكن عمله هو متابعة تزويد النظام بأسلحة الدمار الآتية من روسيا وتوفير دعم إيراني له عن طريق “حزب الله” ومقاتلين عراقيين وخبراء ومستشارين ترسلهم طهران.

من الصعب اقتناع موسكو وطهران بأن لا مفرّ في نهاية المطاف من حلّ سياسي يستجيب لمطالب الشعب السوري وطموحاته، خصوصاً أن موسكو تعتقد أن في استطاعة الرئيس بوتين الاستفادة داخلياً من الدعم الذي يوفّره للنظام السوري. أما إيران، فهي مقتنعة أكثر من أي وقت بأن مستقبل نفوذها في المنطقة، بل كلّ دورها الإقليمي، مرتبط بمستقبل سوريا وبقائها تحت سيطرتها. ولذلك نجد طهران تهدد هذه الدولة العربية أو تلك وتتوعدها بإجراءات معينة في حال متابعة دعمها للثورة السورية.

لا شكّ أن روسيا دولة قوية تمتلك إمكانات كبيرة، في مقدّمها النفط والغاز. ولا شكّ أيضاً أن إيران تمتلك وسائل ضغط على دول المنطقة، كما لديها أدوات كثيرة تستخدمها في هذا البلد أو ذاك، خصوصاً قدرتها على استغلال الغرائز المذهبية لتحقيق أهداف سياسية. هذا شيء والقدرة على حسم المعركة عسكرياً في سوريا شيء آخر. هل سمعت روسيا يوماً بأن حاكماً ظالماً استطاع الانتصار على شعبه؟ ما ينطبق على روسيا، ينطبق على إيران التي تعاني بدورها من أزمة نظام. هل من دليل على مدى عمق هذه الأزمة أكثر من وضع العراقيل أمام ترشح هاشمي رفسنجاني للرئاسة؟

هناك كلام عاقل صدر عن الجانب الأردني قبيل افتتاح مؤتمر عمان. شدّد وزير الخارجية السيد ناصر جودة على أهمية المرحلة الانتقالية وتشكيل حكومة بعد مفاوضات بين المعارضة والنظام. هذا يعني في طبيعة الحال وجود حكومة انتقالية تمتلك “صلاحيات كاملة” تمهد لأخذ سوريا الى نظام جديد بعيد كلّ البعد عن النظام الذي تحكّم برقاب السوريين منذ نصف قرن.

قضية سوريا لا تختزلها معركة القصير ومن يسيطر على القصير. قضية سوريا قضية شعب حيّ يريد استعادة كرامته ويرفض البقاء الى ما لا نهاية تحت حكم لا يتقن سوى إذلال السوريين عن طريق الأجهزة الأمنية والقمع. هذا كل ما في الأمر. وهذا ما لم تستوعبه روسيا وإإيران اللتان ما زالتا تعيشان في وهم القدرة على اعادة عقارب الساعة الى خلف واختصار سوريا بعائلة وأقلّية طائفية وأجهزة أمنية في إمرة هذه العائلة وتلك الاقلّية…

 27/5/2013 – المستقبل

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة