46 views

عن المعارضة بمناسبة «مارثون» اسطنبول ـ عريب النتاوي

أسبوع من الاجتماعات الماراثونية (حتى مطلع الفجر)، لم يكن كافياً لجمع شمل “بعض المعارضة، وليس جميع فصائلها” على مائدة الائتلاف الوطني في اسطنبول..كم من الوقت ستحتاج المعارضات السورية لتوحيد صفوفها، وردم الهوة بين تياراتها وولاءاتها الموزعة على دول الإقليم و”التقريب بين مذاهبها”، وتجسير الفجوة بين داخل وخارج، عسكر وسياسيين، جهاديين وإخوان وعلمانيين.

والأهم، كم من الزمن سيحتاج هؤلاء للتوافق مع وفد النظام السوري إلى مؤتمر جنيف، الأرجح أن “عمراً مديداً” سينقضي، قبل أن يصبح ذلك ممكنا، وستسيل في هذه الأثناء، أنهار من دماء السوريين، وتهبط فوق رؤوسهم وأجساد أبنائهم الغضّة الطرية، أطنان إضافية من الأنقاض والركام.

نحن إذن، إمام مسرحية عابثة، أبطالها ليسوا في اسطنبول، بل في أماكن أخرى، ومن جاء منهم إلى اسطنبول ليس سوى الممثلين البدلاء (الدوبليرات) بلغة السينما..الدوحة تستحوذ على ولاءات جزء من المعارضة، يدعمها الإخوان المتحالفون معها (مصطفى الصباغ)..الرياض، تشن هجوماً مضاداً على الهيمنة الإخوانية – القطرية، حتى وإن اقتضى الأمر دعم ميشيل كيلو، المسيحي – اليساري وإخوانه من التيار العلماني، والإكثار من ظهورهم على شاشة العربية وصفحات الشرق الأوسط والحياة اللندنيتين.

وقف الائتلاف مطوّلاً أمام اقتراح توسعته بإضافة 25 – 30 عضوا جديدا، جميعهم من غير المحسوبين على قطر أو الإخوان..استنفر الإخوان دفاعاً عن نفوذهم المهيمن، لم تطمئنهم كلمات الأمير بندر بن سلطان التي أسرها لفاروق طيفور، بعد أن استدعاه على عجل للقائه في مكتبه..جورج صبرا وصل الليل بالنهار، دفاعاً عن طموحه الشخصي، المدعوم إخوانياً، بالبقاء على رأس الائتلاف، رئيساً أصيلاً، لا بالوكالة وتصريف الأعمال..رياض سيف رغب في تعزيز نفوذه، فبحث عن حصة إضافية له في “المقاعد الإضافية” التي يُراد إلحاقها بالائتلاف..وخلف كل المعترضين، وقفت الدوحة وأنقرة، خلف “وليدها” المتأتي عن “زواج متعة” بين العاصمتين، ذوداً عن نفوذهما المهتز تحت ضربات أكثر من عاصمة، وعلى وقع الاستعدادات لمؤتمر “جنيف 2”.

على الشرفة، كان يجلس غسان هيتو، رئيس حكومة “الثورة” الانتقالية مع وقف التنفيذ..يراقب عن كثب، مصائر حكومته التي لم تتشكل ولم تبصر النور..هو يعرف أنه “جاء من المجهول وسينتهي إليه”، لكنه مع ذلك، ما زال يأمل في “صفقة شاملة”، تعيده إلى تكليفه وتجدد لصبرا في موقعه الجديد وترضي ميشيل كيلو ورفاقه، ولا يعترض عليها رياض الشقفة وإخوانه، صفقة تبدو متعذرة من دون “توافق إقليمي – دولي”، أخفقت اجتماعات عمان لـ”أصدقاء سوريا” في بلورته، حتى بأحرفه الختامية.

مثل هذا الفيلم، سبق وأن شهدناه مرات عديدة في اسطنبول والقاهرة والدوحة..محاولات توسيع المجلس الوطني باءت بالفشل الذريع..وعندما أصدرت هيلاري كلينتون شهادة وفاته..سعت “القابلة القانونية” في الدوحة وأنقرة، لاستيلاد “مخلوق” جديد، هو الائتلاف الوطني، كحاصل جمع بين المجلس الوطني ومن سبق لهم أن انشقوا عنه وعليه..وكان من المفروض بميشيل كيلو وفرح الأتاسي أن يكونا عضوين في الائتلاف، لكنها آثرا الاستقالة بالامتناع عن المشاركة في اجتماعاته، ولا ندري ما إذا كانت عضويتهما المستجدة، ستستمر أم أنها ستصطدم بعقبة “الممانعة” التي يبديها الائتلاف في توسيع نطاق عضويته.

في المقابل، يبدو الشيخ أحمد معاذ الخطيب، على رأس قطب معارض آخر: “مجموعة مدريد”، يدور في فلك الائتلاف ويعارضه من داخله، هل ستستمر هذه المعادلة، أم أن لحظة الافتراق باتت تقرع الأبواب..وستتضح معالم صورة المعارضة، بعد اجتماعات القاهرة لتيار هيئة التنسيق، التي تسعى بدورها إلى بلورة قطب “معارضة الداخل”، وسط تساؤلات عن معارضين استقروا مؤخراً في حكومة وائل الحلقي (قدري جميل وعلي حيدر)، هل سيمتطيان صهوة المعارضة إلى “جنيف 2”، أم سيضمهما وفدٌ حكومي، قيل أنهما عضوين فيه، برئاسة الحلقي أو وليد المعلم.

حراك المعارضة، باعث على صداع مزمن، فتشققاتها المتناسلة لا تقف عند حد، ومثلما هو حال المعارضة السياسية “داخلية وخارجية”، تجد المعارضة المسلحة نفسها في حالة أكثر تردياً وتذرراً..أكثر من 120 كتيبة وفصيلا وميليشيا مسلحة تقاتل في سوريا، قوتها الضاربة، ممثلة في “النصرة” وشقيقاتها، لا تعترف بالنظام ولا بالمعارضة، وهي لا تؤمن بجنيف واحد ولا اثنين ولا ثلاثة، ومشروعها بناء الدولة الإسلامية واستعادة الخلافة، لا تعترف بحدود وطنية أو قومية، جهادها مفتوح على الزمان والمكان.

وفي ركن قصي، من شمال – شرق سوريا، تقف القوى الكردية بالمرصاد لكل من النظام والمعارضة..قبل يومين خاضت معارك قاسية مع المعارضة السلفية، وهي لن تعود في كل الأحوال إلى “بيت طاعة النظام”، ومشروعها الوحيد، انتزاع أكبر قدر من التنازلات المتدرجة والمتدحرجة، من النظام والمعارضة على حد سواء، لبناء الكيان الكردي، القابل للوحدة الفيدرالية والراغب في الانفصال، وفقاً لما يطرأ من مستجدات، وفي ضوء ما ستؤول إليه توازنات القوى على الأرض.

صورة لا تدعو للتفاؤل أبداً، راهن عليها النظام محقاً، ولم تظهر المعارضة قدراً كافياً من الإحساس بالمسؤولية الوطنية، وارتضت الارتهان لعواصم المال والقرار والإعلام في المنطقة، وها هي النتيجة: سوريا تحترق فيما “معارضاتها” تتلهى في خلاف حول “جنس الملائكة” وصراع على “جلد الدب قبل اصطياده”، و”نهش القطط” بين رؤوسها الحامية، وشهوة للمال والسلطة والإعلام، داهمتها مبكراً، حتى أصبح لا شفاء لها أو منها.

 28/5/2013 – الدستور

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة