53 views

التيارات المدنية هي الحل ـ موسى برهومة *

يشكّل التطرف بوجوهه المتعددة، دينية أم إيديولوجية، أشدَّ الأخطار المحدقة بالدول المدنية أو التي ترنو أن تكون كذلك. ويأخذ التطرف أشكالاً استئصالية تسعى إلى الانقلاب على المنجز، ولو بطريق العنف والثورة، وهذا أمر يهدد مصالح الدول والأفراد على حد سواء.

وربما تكون الوسيلة التي يتطلع إليها أنصار الخطاب «الانقلابي» سلمية، كما هو حال بعض الجماعات الدينية التي تعتمد الدعوة، وتتخذ من المساجد ودور العبادة والمدارس والمنتديات العامة منابر لها ولأفكارها، لكنّ تلك الدعوة، على رغم سلميتها لا تخلو من نزعة متأصلة للحلول والسيطرة وتوظيف المنجزات لمصلحة خطابها وتمددها باعتبارها حركات عابرة للأوطان والقوميات.

وعلى رغم اعتراف الدول المستهدفة بفداحة هذا «الخطر» ووضعها التدابير الأمنية الوقائية لجبه هذا الخطر والتعامل مع تداعياته، إلا أنها لم تفكر على نحو استراتيجي يبدّد هذا الخطر ويجفف منابعه على المدى البعيد الذي يضمن نتائج أكثر بكثير مما تضمنها وتوفرها الحلول الأمنية.

ولا يمكن مقاومة الغلو والتطرف الديني إلا من خلال إنتاج قوى مدنية وتيارات متنورة تؤمن بالتعددية والاختلاف والإصلاح التدريجي والشراكة الاجتماعية في صناعة القرار، كما تؤمن بحقوق المرأة، وحقوق الأقليات، وتمتلك عقولاً منفتحة على المنجز الحضاري…

إن مأزق صنّاع القرار في الدول المهددة بالخطر الديني ذي الخطاب الاستحواذي أنها تريد أن تبقى محافظة على قواعدها الإسلامية، وتعتقد أن بناء قوى مدنيّة يتعارض مع الفهم الإسلامي للتعددية والتفكير خارج منظومة التفسير التقليدي للنصوص الدينية.

ولو أن هؤلاء «الاستراتيجيين» أعملوا النظر في النتائج التي قد يجنونها من خلال «تبْيِئة» تيارات مدنية بأفق تحرري لا يقطع الصلة مع جذوره الإسلامية، لكانوا استطاعوا أن ينأوا بأنفسهم ودولهم ومؤسساتهم عن «الخطر» الذي تعمل خلاياه في الظلام، وتسعى إلى تقويض التجربة المدنية والهيمنة على مقدراتها، وبالتالي «أسلمة» المجتمع بما يعني اختطافه، وجعله رهينة لإيديولوجيا حزبية لا تؤمن بالحرية الشخصية أو الاجتماعية، وتنظر إلى المنجز الحضاري، وأشكال الرفاه، على أنها رجس من عمل الشيطان، وحاضنة للفجور، ومحاكاة للغرب الكافر.

إن من شأن تبني التيارات المدنية في الدول العربية أن يجعل مواجهة الخطابات الانقلابية منوطة بهذه التيارات، ما يدفع الدولة بواجهتها الصلبة وقوتها المادية إلى أن تتراجع نحو الخلف، فهذه التيارات، إذا أحسن توظيفها ودعمها واحتضانها، قادرة على خلق توازن في الدولة والمجتمع يوفر ظروفاً لخطاب آخر غير خطاب الدعوة أن يجد طريقه إلى الناس، وهو في مطلق الأحوال لا يتعارض مع خطاب الدعوة من حيث الجوهر، لكنه يختلف معه من حيث المآل، فخطاب الجماعات الدينية يتطلع إلى التحشيد الحزبي، أما خطاب التيارات المدنية فلا هدف له إلا إشاعة التنوير بالمعنى الفكري الواسع.

واستطراداً، فإن احتضان التيارات المدنية، وفي المجتمع طيف واسع منهم من الأكاديميين والمثقفين والمتعلمين، ودفعهم إلى التغلغل في أجهزة التعليم، على وجه الخصوص، وتمكينهم من مخاطبة الناس البسطاء في المناطق النائية، بعيداً من استدراج العواطف الدينية، كفيل بأن يخلق، على المدى البعيد، حساسية معافاة من الإيديولوجيا الساخطة التي تربط بين الفقر والكفر والغضب الإلهي، فقد حدثت أضخم مجاعة في التاريخ الإسلامي في عز نهضة الدولة وتوسعها أيام حكم الخليفة الراشدي الثالث عثمان بن عفان!

لقد ظلت التيارات المدنية مطاردة من السلطات العربية، وقد عانت من العسف والتغييب والإقصاء والمحاربة، لأنها تحمل نزوعات لا تتماهى والخطاب البراغماتي الساذج للدولة التي احتضنت، غالباً، الجماعات الدينية، ووفرت لها المنابر والحواضن، ولم تتوقع أن يوماً ما سيأتي فتقلب هذه الجماعات ظهر المجنّ لدولها وتتطلع إلى آفاق غير دولتية.

صفوة القول إن النأي بالنفس عن الارتطام بجدران التطرف وخطاب الغلواء، لا يتحقق إلا عبر إعادة الاعتبار إلى قوى المجتمع التي تحمل «جينات» التنوير، ولا تتصادم مع منجزات الدولة الحضارية بأفقها الانفتاحي الذي لا يقطع الصلة بجذره الإسلامي ذي الأفق الإنساني الفسيح.

* كاتب وصحافي أردني

الحياة ـ ٢٨ مايو ٢٠١٣

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة