42 views

إعادة تعريف الصراع في سورية ـ علي ملحم *

يذهب الكثير من أهل السياسة والفكر حالياً وبخاصة السوريين منهم إلى تعريف الصراع الجاري في الثورة السورية على أنه مواجهة حُتّم لها أن تغدو مسلحة بين طرفين أو قطبين لا ثالث لهما: يتمحور أولهما حول النظام وما يرفده من ملحقات متهافتة عراقية إيرانية ولبنانية مدعومة بمصالح جيواستراتيجية روسية، وفي المقابل المحور الثوري ممثلاً بكل أطياف المعارضة المسلحة ومختلف تشكيلاتها وكتائبها، مدعومة بمد مالي وسياسي عربي وغربي.

وعلى رغم مقبولية تعريف كهذا من الناحية الإعلامية إلا أنه قاصر إلى حد كبير عن تفسير عدة متناقضات قارّة فيه، فلماذا يصر المسؤولون الأميركيون مراراً وتكراراً على ترديد مقولات عدم التدخل المباشر وعدم مد الثوار بالسلاح النوعي وعدم فرض منطقة عازلة أو حظر طيران ووصم تشكيلات مسلحة (جبهة النصرة مثلاً) ووضعها على قائمة الإرهاب؟ المتابع للدرس البحثي في الشأن السوري والذي يتنطح له الكثير من الدوريات ومراكز الأبحاث الغربية يلحظ أن تعريف الصراع في سورية ينقسم على أربعة من وجهة نظر غربية أميركية، وليس على اثنين. فيشكل النظام بكافة سردياته الممانعة والمقاومة في الأقليم أحد أضلاع هذا المربع، وتقف السلفية الجهادية (ورأس حربتها جبهة النصرة) في الجانب المقابل تماماً، وتتوزع على جانبيها التشكيلات المسلحة الأخرى من سلفية دعوية وسلفية تقليدية إلى كتائب مدنية وحتى علمانية.

ويشير العديد من الدراسات والأبحاث المنشورة في المواقع الغربية إلى ظهور تقسيم قد يكون فجاً إلى حد ما للطابع الفكري والخلفية العقائدية للكتائب الثورية المسلحة والذي يمكن أن نوجزه كما يلي:

1- السلفية الجهادية والتي تضم تشكيلات عدة من جبهة النصرة إلى حركة أحرار الشام ولواء فجر الإسلام وصولاًَ إلى الجبهة الإسلامية السورية، وتتبنى هذه التنظيمات فكراً يرجع بشكل أو بآخر إلى المقولات التي قال بها سيد قطب وتسلك هيكلاً تنظيمياً يعود بأغلبه إلى فكر القاعدة العالمي، على رغم وجود خصوصية سورية وطنية إلى حد ما فيه.

2- السلفية الدعوية أو ما يحلو للبعض وصفه بالتقليدية، وتضم أكبر تشكيلين مسلحين في الخريطة الثورية السورية، وهما لواء التوحيد في حلب ولواء الإسلام في دمشق وريفها وما يلحق بهما من كتائب وألوية مثل أحفاد الرسول وكتائب الصحابة ولواء شهداء المسلمين وغيرها. ويقوم البحث الدعوي لهذه التشكيلات على تمازج بين البرجوازية السنية التقليدية في كبرى المدن (كعبد القادر صالح قائد لواء التوحيد) وبين السلفية الأصولية لعدة شيوخ تتلمذوا في المدرسة الوهابية السعودية كزهران علوش (قائد لواء الإسلام).

3- الكتائب المدنية أو ما يحلو لصانعي القرار الغربي أن يصفوه بالإسلام المعتدل، وهو ما يشكل فضاء واسعاً يضم تشكيلات مختلفة تحت مسمى «الجيش السوري الحر». وهنا نلحظ تباينات شتى في خلفية الكتائب المندرجة تحت هذا التصنيف: فمن التنظيمات ذات الطابع العلماني البحت كلواء الحجر الأسود والذي ينشط في المنطقة الجنوبية إلى كتائب مدنية الطابع مثل لواء شهداء دوما وكتائب الوحدة الوطنية إلى كتائب الدروع التابعة لـ «الإخوان المسلمين».

وبناءً على رؤية كهذه وعلى إعادة تعريف للصراع السوري يمكن أن نفهم جانباً من التلكؤ الغربي والأميركي تحديداً والتخوف من التدخل بشكل مباشر أو حاسم لصالح الكتائب الثورية في وجه النظام، حيث يعربون عن قلقهم الدائم من تعاظم قوة ونفوذ السلفية الجهادية (التي تشكل عدواً عالمياً للبيت الأميركي) في مقابل تخبط أصدقائها من كتائب وألوية الإسلام المعتدل والتقليدي.

لذا يبدو العامل الحاسم الآن والذي يحرك السياسة الأميركية تجاه الثورة السورية محاولة ترشيد وتقنين المساعدات والدعم ليصل إلى ما يسمى «الأيادي الصحيحة» وليس «الأيادي الخاطئة»، من دون إغفال أهمية خلق توازن عملياتي بين أطراف الصراع الأربعة، إلى أجلٍ يبدو غير محدد قريباً. ويبقى الشعب السوري المنتفض متروكاً وحده كي يفرز ويحدد ويعيد تصنيف خياراته في الصراع.

* كاتب سوري

الحياة ـ ١ يونيو ٢٠١٣

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة