37 views

الحرب على الإرهاب وفق «حزب الله» ـ سامر فرنجيّة

إحدى ميزات الصراعات الطائفية اتّكالها على مبدأ المحاكاة والتماهي بين المتصارعين، بحيث يذوب الفارق بينهم على رغم اعتقادهم بوجود اختلافات جوهرية تفصلهم وتحدّد هوياتهم المتغايرة. بدأ المسلسل الأخير للمحاكاة في لبنان مع المحاولات الكثيرة لاستنساخ منظومة «حزب الله» سنياً من ألاعيب أحمد الأسير في صيدا، ثم مع «قادة المحاور» في طرابلس. ومع توغّل «حزب الله» في سورية، بدأت مرحلة جديدة من التماهي أخذت شكل استنساخ أسلوب الحرب على الإرهاب ومفرداتها من جانب الحزب المقاوم وجمهوره.

في وجه تحدي القصير، لم يجد «حزب الله» ومنظّروه إلاّ مفردات أعدائهم التاريخيين وتبريراتهم لتفسير الواقع. فالحرب على القصير «استباقية» و «دفاعية»، وإن كانت تخاض في بلد آخر. وهي، وفقاً لتصريح قيادي في هذا التنظيم أدلى به إلى جريدة «الرأي» الكويتية، تتمّ وفق «عمليات جراحية» ناجمة عن «دقة القصف» لـ «بنك من الأهداف» تم جمعه بعد جهد استخباراتي. وتلك العبارات المستوحاة من مفردات «الحرب النظيفة» التي واكبت الحرب على العراق ولبنان وغزة، وجدت طريقها اليوم إلى معجم المقاومة لتغنيه بأبعاد جديدة.

مفردات الحرب النظيفة ليست الاستعارة الوحيدة التي قام بها «حزب الله»، بل دعّمها باستيراد منطق «الحرب على الإرهاب»، عارضاً نفسه بوصفه الوريث الفعلي، وإن لم يكن الشرعي، لخطاب إدارة المحافظين الجدد. فعرّف الأمين العام لـ «حزب الله» أثناء كلمته في ذكرى التحرير أعداءه السوريين بـ «التكفيريين» (وهي لم تكن تهمة عندما حارب الحزب إلى جانبهم في البوسنة والهرسك). وحدّد مشكلته مع العقل التكفيري بـ «أنه يكفّر الأفراد لأبسط الأسباب»، معيداً إلى الذاكرة ثنائية «المسلم الجيد والمسلم السيء» التي شكّلت أحد أسس الحرب على الإرهاب، بعدما أعاد صوغها وفق «الديالكتيك المشرقي». واستكمل دفاعه عن حرية الأفراد بادعاء أن الحرب على القصير لا تخاض باسم الحزب فحسب، بل باسم السوريين و «اللبنانيين والدولة والعيش المشترك». فكما حُرِّر العراق على أجساد العراقيين، ستحرر القصير وإن دُمِّرت. وعلينا شكره على هذا الفعل، إن لم يكن اليوم، ففي يوم لن يكون بعيداً، كما توقع أو هدّد أحد منظّري «حزب الله»، الذي كان، قبل صعود خطر التكفيريين الجدد، ينوي وضع «وردة على بحر العرب» لروح شهيد التكفيريين، بن لادن.

غير أن المحاكاة تعمل في الاتجاهين، ومن فكّك هذا الخطاب لسنوات وحاربه، كان عليه تخيّل شكل الرد. ففي مقابل وضع «حزب الله» نفسه في موقع الجيش النظامي الذي يحتل أرضاً على نحو استباقي، جاء الرد في استنساخ أسلوبه بمقاومة ذاك الهجوم.

فميدانياً، صورة القصير تشبه صورة غزة أو جنوب لبنان في استعمال المقاومين السوريين للأزقة والأنفاق وتحصّنهم في المنازل. وصدمة مقاتل «حزب الله» لخروج مقاتلين من الأنفاق ومهاجمتهم من الخلف ليست إلاّ صدى لمعاناة الجيوش النظامية في حروبها غير التقليدية، وهي مدرسة برع «حزب الله» في تطويرها. أمّا التماهي الميداني الثاني، فأخذ شكل صاروخين مجهولي المصدر تساقطا على منطقة الضاحية الجنوبية لبيروت. ولوهلة سريعة، بدا أن على تلك المنطقة التعاطي مع عدو خفي من الصعب ردعه، مهما وعد زعيمها بانتصارات جديدة.

ماذا يعني تبني «حزب الله» خطاب خصومه القدامى؟ يمكن اعتبار هذا الاستنساخ جزءاً من الترسانة الخطابية للحزب المملوءة بحجج تستعمل مرة وتُرمى من دون أي أثر يذكر. فاستعارة خطاب الحرب على الإرهاب تأتي استكمالاً لمسلسل حجج سخيفة كمقولة محاربة «التطرف» باسم «الواجب الديني» أو التصدي لـ «الفتنة» من خلال إرسال مقاتلين شيعة لمحاربة آخرين سنّة. فحجة الحرب على التكفيريين، بهذا المعنى، مثلها مثل «خبر» الآلية الإسرائيلية والضباط الفرنسيين الموجودين في القصير: كلام مدة صلاحيته لا تتعدى الدقائق.

وعلى رغم هشاشة هذه الاستعارة، لديها بعض الدلالات. فهي إشارة إلى الالتحاق الرسمي لـ «حزب الله» بعنوان الصراع الشيعي- السنّي في المنطقة. ذاك أنّ شعار الحرب على الإرهاب شكّل أحد عنواني الاقتتال العراقي، بعدما تمّ تطييفه ليصبح مرادفاً للصراع ضد الكتل السنّية. وبقي «حزب الله» خارج هذا العالم الخطابي، متمسكاً بخطابه الممانع، ليلتحق به اليوم، ويُدعِّم تهم الخيانة المعتادة بتهم جديدة عن التكفير. كما أنّها إشارة إضافية إلى دخول لبنان نفق الحرب الأهلية. فتبرير الصراع في سورية على أنّه صراع ضد التكفيريين هو إعلان حرب على شريحة كبيرة من الشعب اللبناني، وإعلان بداية معركة طويلة لن تنتهي في سورية.

والمحاولة البائسة للأمين العام لـ «حزب الله» بأن يعكس مقولة «حرب الآخرين على أرض لبنان» لا تنفع، بخاصة بعدما عرّف عدوه بصفة التكفيريين المطاطة واعتبر أنّ الحدود وجهة نظر. وهي أيضاً إشارة الى أن جمهور المقاومة من المثقفين والمحللين بات محصّناً حيال أي اختراق وملتفّاً حول حزبه حتى في أكثر لحظاته العبثية. فبعد فشل الأداة الديموقراطية واللعبة السياسية والحياء العام في ردع «حزب الله»، كان الاعتراض الداخلي للطائفة آخر صمامات الأمان. وقد سقطت تلك الإمكانية في القصير مع التبني العام لمقولة التكفيريين، لبصبح «حزب الله» محرَّراً من أي رادع يمكن أن يجنب لبنان حرباً جديدة.

وهكذا، فمع التحاق الحزب بخطاب الحرب على الإرهاب، دخل الارتباك صميم خطابه وتعريفه لنفسه. فالضياع الذي ساد موقف بعض خصوم «حزب الله» في لبنان، نتيجة دعمهم لمبدأ المقاومة ورفضهم للحزب المقاوم، أو نتيجة تحالفهم مع الغرب المرفوض تقليدياً في القاموس النضالي، بات يطاول موقف «حزب الله» في معاداته للولايات المتحدة واستنساخ إحدى صفحاتها الأكثر سواداً.

وقد يفيد الأمين العام للحزب، خصوصاً مع حبه لثبات منطقه، أن يستهل خطابه المقبل باعتذار ولو متأخر من منظّري الحرب على الإرهاب وبإعلان صوابية احتلال الدول الداعمة للإرهاب. فمعركة القصير ليست إلاّ مصغراً عن احتلال أفغانستان أو العراق، وتأكيداً لمبدأ حظر «حزب الله» وأجنحته العسكرية.

 الحياة ـ ٢ يونيو ٢٠١٣

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة