24 views

النظام سعى سعياً إلى «أفغنة» سوريا ـ عبد الوهاب بدرخان

منذ أكثر من عام أصبحت الظاهرة مرئية وملموسة في تغطيات الإعلام للمحنة السورية. فالأجانب والعرب غير السوريين الذين يقاتلون في سوريا، مع الثوار أو إلى جانب النظام، أصبحوا جزءاً من نسيج الحال السورية، وتذكيراً بأن التجربة التي شهدتها أفغانستان مطلع ثمانينيات القرن الماضي غدت نموذجاً قابلاً للتكرار والاستمرار ما دامت هناك ساحات قتال، وما دامت هناك شرائح من الجيل الطالع تتأثر بدعاة يسلطون الضوء على أبعاد دينية لهذه الحرب أو تلك ويفتون بأن المشاركة فيها «جهاد» واجب.

في حال أفغانستان كانت الولايات المتحدة هي التي «أفتت» وشجعت حكومات الدول المسلمة على تجنيد شبان في الحرب على «الكفار» الشيوعيين كأفضل سبيل لمواجهة الزحف السوفيتي. لم يدرِ هؤلاء «المجاهدون» أنهم أسهموا من دون تخطيط في كبرى معارك «الحرب الباردة»، بل غيّروا التاريخ، إلا عندما رأوا انسحاب القوات السوفيتية وبداية انهيار المعسكر الاشتراكي. بعد ذلك فشل «المجاهدون» الأفغان في إدارة نصرهم وإقامة دولة طبيعية قابلة للعيش، ولم يعرف «الأفغان العرب» ما يفعلونه بهذه الطاقة التي تولّدت لديهم على هامش التاريخ. وإذ نفضت الولايات المتحدة يدها منهم جميعاً فقد ارتدّوا عليها في مسلسل شكّلت هجمات 11 سبتمبر 2001 ذروته، فأدرك الأميركيون عندئذ أن «المجاهدين» الذين أسهموا في صنعهم وتظهيرهم أصبحوا «إرهابيين». ورغم أن «الحرب على الإرهاب» استهدفت تثبيط عزيمة الشبان وحملهم على اتخاذ وجهة مختلفة في حياتهم، أكانوا يقدمون على القتال بدافع «الجهاد» الديني أو لأي نوازع أخرى، إلا أن الظاهرة طاردت الأميركيين إلى العراق، وتواصل ملاحقتهم في اليمن، في ليبيا، وفي مختلف الحروب التي صاروا يتولون قيادتها الخلفية.

خلال التسعينيات ظهر «الأفغان العرب» في نزاعات ثلاثة على الأقل، في الجزائر والبوسنة والشيشان، وضغطوا لتشكيل حال جهادية في مصر، وبعد 2001 في السعودية. تعرّفت روسيا في الشيشان إلى أحد تداعيات مغامراتها الأفغانية، كلّفها غالياً لكنها سحقته، ولا يزال يكلّفها حين يضرب أحياناً في قلب موسكو، وتدرك أنه متغلغل في عدد من الدول الصغيرة التابعة لها. ثمة «منطق» في هذا الإرهاب الذي لا يقرّه أحد بل يتبرأ منه الجميع ومن ادّعائه الإسلام. وبعدما تبلورت قيادة ومرجعية لهذه الظاهرة في كابل فإنها ما لبثت أن تشرّدت وتفرّقت وقتل زعيمها أسامة بن لادن، وظهرت لها زعامات وفروع شتى في اليمن والعراق، في الصومال والمغرب العربي، وأخيراً في سوريا.

خلال أيام متقاربة تكاثرت الأنباء عن مقاتلين أجانب وعرب في أنحاء مختلفة من سوريا. معروف أن النزاع بدأ بثورة شعبية ضد نظام مستبد وفاسد، ورغم أنه فقد سريعاً هيبته وشعبيته وشرعيته، فإنه استعاض عنها بوحشية مفرطة دلّت عليها مجازر ارتكبت بعصبية طائفية نافرة. وأصبح اليوم مؤكداً أن النظام سعى سعياً وبكامل وعيه إلى «أفغنة» سوريا. فكما حصل في أكثر من مكان أثبتت ظاهرة القتال الجهادي خبرة ومهارة في استخدام الثغرات أو المساحات أو النزاعات التي تهملها القوى المحلية أو الدولية، ولأن النزاع السوري طال وتبيّن بوضوح أن ما يسمى «المجتمع الدولي» لم يهتم بقضية الشعب السوري، فتحت الأبواب تلقائياً أمام «الجهاد المعولم» أو «المؤقلم». كان النظام السوري أول من بادر إلى طلب مؤازرة من «حزب الله» اللبناني- الإيراني خصوصاً عندما مسّت حاجته إلى رديف مساند لـ «الشبيحة» وإلى قناصة ومقاتلين أصحاب خبرة في «حرب العصابات»، لكن المساعدة المحدودة بأعداد صغيرة من «الحزب» صارت الآن تورّطاً مفتوحاً بآلاف المقاتلين. وعندما صارت دولة أخرى هي إيران مشاركة فعلياً وميدانياً، زاد منسوب الاستقطاب والنعرات المذهبية، وزادت حدّة العصبية في هذه المواجهة. جاء مقاتلون من العراق والبحرين لمناصرة النظام معبّئين بأنهم في «معركة الشيعة»، ولم يأتِ جميع المناصرين للثوار من تونس والأردن وليبيا و… قيرغيزستان وغيرها بدافع مذهبي محض لكن الواقع تجاوز دوافعهم.

عندما ظهرت «جبهة النصرة» على الساحة أثارت شكوكاً بسبب ارتباط سابق لبعض عناصرها بأجهزة النظام، لكن سلوكها القتالي الشجاع وحتى الاجتماعي المعقول ضاعف الحيرة في أمرها، وسهّلت إنجازاتها الميدانية السريعة تحصيل شعبية كبيرة لها قبل أن يقدم زعيمها على إعلان الولاء والطاعة لزعيم «القاعدة» فإذا به يحطّم الهالة الثورية التي أحاطت بـ «الجبهة». وها هي الأمم المتحدة تدرج «النصرة» في لائحة التنظيمات الإرهابية بعدما كانت الولايات المتحدة صنّفتها منذ ديسمبر الماضي وما لبث الاتحاد الأوروبي أن لحق بها. في المقابل، يتكاثر الحديث عن إدخال «حزب الله» أيضاً في هذا التصنيف، بصفته تنظيماً مرتبطاً بدولتين مصنّفتين في الإرهاب ومشاركته في قتل سوريين على أرضهم، وكذلك لتورّطه في عمليات في بلغاريا وقبرص ونيجيريا.

«جبهة النصرة» ببعدها «القاعدي» و «حزب الله» ببعده الإيراني لم يسيئا للشعب السوري وثورته فحسب بل جسّدا طابعاً سنياً- شيعياً للصراع، وزادا تعقيدات الحرب فضلاً عن صعوبات «الحل السياسي» الذي تسعى إليه أميركا وروسيا. وإذا كانت هناك نقطة واحدة تتفقان عليها فلا شك أنها الخشية من تمذهب الأزمة ودخول الإرهاب على خطّها. والمفارقة أن النظام السوري يبدو الوحيد المستفيد من «الحزب» الذي خسر مئات المقاتلين في الدفاع عنه ومن «الجبهة» التي تعطيه مصداقية في روايته بأنه يقاتل إرهابيين ولا يقاتل الشعب السوري الثائر.

  3/6/2013- العرب القطرية

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة