26 views

السفير البريطاني على صفيح ملتهب ـ عبد الرؤوف التل

ذات مرة قال الأديب الروسي “ مكسيم جوركي”: لكي نكون أحياء بحق يجب أن نعرف كل الحقيقة ونعرف كل البهتان”. يوم الثلاثاء الموافق 28 أيار التقى سفير بريطانيا في الأردن “ بيتر ميليت” في قاعة غرفة صناعة اربد، مع مجموعة من قادة الفكر من المجتمع المحلي، للحديث عن أنعكاس الوضع وما يحدث في سوريا على اربد وتأثير ذلك على الوضع الاقتصادي والاجتماعي والإنساني على المدينة.

ولكن بعض المشاركين في الحوار، أسمعوا سفير دولة بريطانيا مالم يكن يتوقعة من حوار ساخن جداً، حول قضايا المنطقة العربية التي تعمل القوى الكبرى على إغراقها في حروب طائفية، وتغذية الأرض في سوريا بمزيد من المجازر الجماعية للرجال والنساء، والشيوخ والأطفال حتى الحيوانات لم تسلم من الموت الجماعي بالنار واللهب، والغازات السامة.

وفي البداية أقول: إن أسباب ما يحدث في سوريا من مأسٍ دامية، يعود لنا نحن العرب لا لغيرنا، لأن الأمة أناخت كبرياءها حتى ركب ظهرها كل مفلس ، ورضيت لنفسها الهوان والخذلان، ورضيت لنفسها تفريغها من محتوها الثقافي والحضاري والإسلامي، لتكون ساحة لكل فكر مخرب وملتوٍ، يغيب العقل والعلم، ويحيا الجهل والتعصب للقبيلة والعشيرة لا للأمة والدولة.

السفير بيتر ميليت أراد أن يسمع فقط جزءاً يسيراً من تأثير الأزمة السورية على اربد فقط، لكن بعض المشاركين لم يرض أن يضيق الحوار بهذه الجزئية فقط بل اعتبرأن ما يحدث في سوريا ينعكس على المنطقة العربية بكاملها؛ لأن دمشق عاصمة من أقدم واعرق عواصم العالم على الإطلاق.

لأن سوريا كانت تغذي الفكر الإسلامي والحضارة الإسلامية بعلماء شوامخ في شؤون الحضارة، وفي العصر الحديث انطلقت من سوريا أفكار قومية ووحدوية ارادت للأمة أن تجتمع على كلمة سواء، سوريا في نظر بعض المتحدثين مركز إشعاع شامل للعرب قاطبة واستهجن بعض المشاركين قول السفير: إن التوجه الأوربي هو إحداث توازن قوة بين المعارضة السورية والجيش السوري ، أي القبول والرضوخ لأوامر هذه الدول والقبول بتزويد طرفي النزاع: المعارضة والجيش، بالسلاح المدمر حتى يقتل كل طرف من الطرف الآخر مئات الألوف من البشر ويتم بذلك تدمير البنية التحتية بالكامل في سوريا من قبل المتصارعين على السلطة وحتى يزداد أعداد المهاجرين الذين يغادرون مدنهم وقراهم وبيوتهم إلى العراء، واضعاف شعب صانع حضارة وأدب وفكر وهو قادر على التقدم والنهوض ومواكبة حركة التكنولوجيا في العالم بما تملكة يداه من خبرة وفكر ومن علم يجعله قادراً على اقتحام المجهول ومواصلة البناء والتقدم الذي يريد من أجل شعبه أولاً وأمته ثانياً .

ذكر بعض المشاركين بالحوار أن تزايد أعداد القادمين من سوريا هرباًً من الموت، له تأثيرات سلبية على الوضع الاجتماعي بسبب الفقر والحاجة لمن ترك بيته وهرب بأسرته طالباً النجاة من الموت، ولا يملك من مقومات الحياة شيئاً، من هنا دخل كثير منهم ميادين العمل منافساً بذلك القوة العاملة في مدن الشمال بأجر بخس أقل من أجر العامل الأردني، وربما يعمل كتاجر في شوارع المدن بالبيع والشراء بمختلف أنواع البضائع، لا سيما أن السوري تاجر بطبيعته وصاحب حرفة وصناعة، لأنه يجيد العمل اليدوي بطريقة فنية لا تتوفر عند العامل الأردني، وان من يملك المال أسهم في فتح المطاعم والمحلات التجارية واستفاد من خبرته في جذب الزبائن إلى محله وكثيرٌ منهم عمل بمختلف الحرف بطريقة جيدة واتقان كبير ولا أغالي إذا قلت: إنهم نافسوا في العمل، وإن منافستهم حسّنت من نوع الخدمات في المطاعم والمخابز والمحلات التجارية.

لكن ماذا خسرت اربد ومدن الشمال مما يحدث في سوريا؛ خسرت متنفساً ومتنزهاً كان يرتاده أهلنا في الأردن اسبوعياً وبكثرة، خسرنا كثيراً من المنتجات الزراعية والصناعية والملابس التي كانت تغرق شوارع المدن وبأثمان رخيصة تأتي من سوريا ظئر الأردن التاريخي.

إن سفير لندن في عمان بيتر ميلت سمع ما لا يعجبة عندما قال أبناء اربد للسفير: إن المبالغ التي تدعون أنكم تتبرعون بها لخدمة أبناء شعبنا السوري، كان يمكن توفيرها على أنفسكم لو لم تغذوا نيران الفتنه بإرسال السلاح مرة للمعارضة ومرة أخرى للحكومة حتى تؤججوا نار الفتنة والحرب.

إن الدولة التي أنت سفيرها هي التي اعطت الصهاينة وعد بلفور لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين دون وجه حق، وقدمتم لهم المال وكل أنوع السلاح لإحداث المجازر الجماعية للشعب الفلسطيني لتخويفة حتى يترك وطنه، وإلا الموت له ولإطفاله، لماذا لم تقدموا السلاح لأبناء فلسطين حتى يوجد توازن قوة بين حركة المقاومة الفلسطينية ، وعصابات اليهود، أنتم حكمتم بالموت على كل فلسطيني توجد في بيته سكين ولو بادحة حتى لا يدافع عن نفسه.

لقد سمع السفير البريطاني أن الدول الباغية صانعة الإرهاب الحقيقي دمرت بغداد والعراق واشعلت فيها النيران لأن الهدف تدمير دولة العراق وجيش العراق لا من أجل نشر الديمقراطية الكاذبة كما تدعون، والأمر العجيب أن بعض المتحدثين عندما ذكر السفير بالتاريخ الاستعماري لدول الغرب في المنطقة، قال لمن “يحاورهم: لا تنظروا للخلف وانسوا الماضي، وانظروا للحاضر والمستقبل” .

يـــالهي … كيف ننسى المآسي التي صنعتموها على أرضنا ومع امتنا، ودمار أهلنا واحتلال أوطاننا واحتلال أقدس المقدسات المسجد الأقصى وما زالت دماء أهلنا تسيل بغزارة، وفوهات المقابر الجماعية مازالت تلتهم من أهلنا في فلسطين والعراق وسوريا وفي كل مكان مئات الألوف من القتلى وفي كل مرة تحدث مذبحة جماعية تشربون نخباً من الخمر على الجثث التي تلتهمها المقابر الجماعية.

لا يا سيادة السفير، إن المحن التي تعيشها الشعوب العربية لا بد أن تنقى المنطقة وتطهرها من رجسكم ومن الصعاليك الذين يتعاملون معكم ضد أهلهم واخوانهم، ولا بد أن تعرف أن عجلة التاريخ في العالم العربي تدور، وتدور لتطحن من يريد بنا شراً .

وختم الحوار مع السفير البريطاني في عمان بصوت قوي يقول: نحن في الأردن نقف إلى جانب الدولة وكل مؤسساتها ونعمل على نجاهحا رغم انتشار الطحالب الفاسدة في بعض الأماكن والمؤسسات.

وإن على دولتكم يا سيادة السفير أن ترفع يدها عن المنطقة العربية وعن شعوبها ونحن قادرون على إصلاحها، وأن الحكم الرشيد انطلق من ارضنا لكل أصقاع العالم.

أما الاستعمار الديكتاتوري فإن دولكم هي من نشرت ذلك في العالم، وأن دورة التاريخ لن تقف عند حد، ونحن عندما يكون لنا المستقبل لن نعاملكم بطريقتكم بل سنعاملكم بأخلاقنا الإسلامية الحميدة، وقيمنا الحضارية وتراثنا النبوي الشريف الذي يجعل الناس كل الناس سواسية كأسنان المشط.

3/6/2013 – الدستور

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة