23 views

مداواة جراح سوريا بالحوار ـ غاريث إفانز

إن الاقتراح المقدم من الولايات المتحدة وروسيا لعقد مؤتمر دبلوماسي لإنهاء المذبحة في سوريا، يستحق ردة فعل أقل تشككاً من تلك التي تلقاها . فعلى الرغم من صعوبة حمل كل الأطراف ذات الصلة على الجلوس إلى طاولة المفاوضات في جنيف في أي وقت قريب، فضلاً عن ضمان نتائج حقيقية، فإن الدبلوماسية هي اللعبة الوحيدة المتبقية . وبقدر ما قد يتمنى المرء خلاف ذلك، فإن كل الخيارات الأخرى التي نوقشت حتى الآن كانت إما خاطئة من حيث المبدأ، وإمّا غير قابلة للتطبيق من الناحية العملية، أو من غير المرجح أن تكون فعّالة، بل وربما كانت لتؤدي إلى زيادة المعاناة وليس تخفيفها .

بعد عامين من الحرب الأهلية، وفي غياب أي انتصار عسكري حاسم من أي من الجانبين، أصبح الموقف شديد البؤس . فوفقاً لتقديرات الأمم المتحدة الحالية، حصد الصراع أرواح أكثر من ثمانين ألف ضحية من أهل سوريا، هذا فضلاً عن احتياج نحو 6 .8 مليون إنسان ثلث عدد سكان البلاد إلى المساعدات الإنسانية العاجلة . وقد نزح 25 .4 مليون مواطن سوري داخلياً، وهناك أكثر من 5 .1 مليون آخرين فروا من البلاد، ليحتموا كلاجئين في لبنان، والأردن، وتركيا .

إن الضغوط التي تتحمّلها الدول المجاورة لسوريا هائلة، وسوف يمتد الصراع لا محالة إلى المنطقة ككل، وقد ارتكبت القوات الحكومية والقوات التابعة للمعارضة على حد سواء، جرائم فظيعة، ومن المتوقع أن نشهد المزيد من مثل هذه الجرائم مع تصاعد العنف بين المجموعات الطائفية الرئيسة .

إن هذا الشلل الدولي المستمر يتعذر تبريره أو الدفاع عنه، فالتقاعس عن العمل من شأنه أن يشعل الحرائق في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، هذا فضلاً عن انتهاكه مبدأ المسؤولية عن الحماية الذي بات مقبولاً الآن في المجتمع الدولي، وهي المسؤولية التي لابد من تحملها من خلال عمل جماعي حاسم وجيد التوقيت، لحماية السكان المعرّضين لخطر الإبادة الجماعية، والتطهير العرقي، وغير ذلك من الجرائم الكبرى التي ترتكب ضد الإنسانية وجرائم الحرب .

وقد تم استدعاء هذا المبدأ الذي أجمع عليه أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام ،2005 بنجاح في أماكن أخرى، بما في ذلك دعم التدخل الدبلوماسي في كينيا العام 2008 . واستندت إلى المبدأ نفسه أيضاً التدخلات العسكرية بتفويض من مجلس الأمن في ليبيا وساحل العاج في العام ،2011 ثم في مالي مؤخراً . ولكن كيف يمكن تطبيق هذا المبدأ على الفوضى التي تجتاح سوريا الآن؟

إن الحاجة الأكثر إلحاحاً الآن التي لا ينبغي أن يدور حولها خلاف يُذكَر، تتلخص في توفير المساعدات الإنسانية الهائلة . صحيح أن المشكلات المتعلقة بالتسليح كثيرة في مناطق الحرب، ولكن ليس في كل مكان . ورغم هذا فإن المانحين الدوليين يترددون كثيراً سواء في ما يتصل بتلبية الالتزامات القائمة أو بذل تعهدات جديدة، وكل المساعدات في العالم لن توقف القتل .

الآن، لم تعد أدوات الإجبار غير العسكرية قادرة على التأثير في الأرض بشكل ملموس، ولو أن تهديدات مجلس الأمن بالملاحقة القضائية لدى المحكمة الجنائية الدولية عن الجرائم الوحشية بما في ذلك أي استخدام للأسلحة الكيميائية لابد أن تظل مطروحة على الطاولة . ولكن ماذا عن الخيارات العسكرية التي لاتزال مفضلة بقوة بين العديد من صناع السياسات والخبراء؟ . . المشكلة هي أن كل حاوية في صندوق الأدوات هذا فارغة أيضاً .

إن التدخل العسكري المباشر لإسقاط النظام السوري لن يحظى أبداً بموافقة مجلس الأمن، وليس هناك من قد يتطوع له على أية حال بين القوى العسكرية القادرة، ولو أن هذا يرجع في أغلب الحالات إلى المخاطر السياسية والعسكرية المصاحبة لمثل هذا التدخل، وليس إلى تعذر تقديم المبرر القانوني للعمل خارج نطاق ميثاق الأمم المتحدة . وحتى التدخل الأقل تحزباً وتحيزاً الذي يتمثل في الاستعانة بقوات برية وجوية للفصل بين الأطراف المتحاربة قسراً، لن نجد له مؤيدين، ومن غير المحتمل أن توافق عليه الأمم المتحدة، والأمل هامشي في أن يجلب مثل هذا التدخل قدراً من الضرر أقل من المقصود تجنبه .

وهناك عدد كبير آخر من المتحمسين لتدخل عسكري أكثر تحديداً ودقة، ومُصمّم لإنشاء منطقة حظر طيران أو أكثر، وربما أيضاً توفير ملاذات آمنة وممرات إنسانية على الأرض . في الأيام الأولى من الأزمة، احتج البعض بأنه في ضوء القوة التي تتمتع بها دفاعات النظام الجوية وقواته البرية، فحتى هذه الأهداف المحدودة قد لا يتسنّى تحقيقها من دون الاضطرار إلى دخول حرب شاملة، وبالتالي فإن مثل هذا التدخل قد يؤدي إلى زيادة المعاناة الإنسانية .

ولكن مع التهاب الأوضاع في القسم الأعظم من البلاد الآن، تصبح هذه الحجة أقل إقناعاً . ولكن يظل من الثابت أن الدور العسكري لا يحظى بقبول واضح، ويرجع هذا جزئياً إلى حجم وصعوبة وخطورة الالتزام المطلوب، فضلاً عن التكاليف السياسية والقانونية المحتملة، نظراً لتدني احتمالات التأييد من قِبَل مجلس الأمن .

وتمارس المملكة المتحدة وفرنسا ضغوطاً شديدة لمصلحة التدخل العسكري غير المباشر: على اعتبار أن تزويد جانب المعارضين بالأسلحة يشكل في اعتبارهما خياراً منخفض التكاليف والمخاطر، وربما يكون ذا عائد مرتفع محتمل . والآن رفع الاتحاد الأوروبي حظره، ولكن الولايات المتحدة تتوخى الحذر، ولها كل العذر . ذلك أن نسبة مقلقة من القوات المعارضة من المتطرفين الإسلاميين، وليس هناك ما قد يضمن أن تظل الأسلحة بعيداً من أيديهم .

وعلى نطاق أوسع، فإن الزيادات الطارئة على الأسلحة التي يتم تسريبها إلى القوات المعارضة من قِبَل بعض الدول، كانت مرتبطة بزيادات هائلة في أعداد القتلى من المدنيين، ما يشير إلى أنها تكلف من الأرواح أكثر مما قد تنقذه، وفي غياب أيّ مكاسب استراتيجية ملموسة . فنظام الأسد، بدعم من مؤيديه في الخارج، يبدو من المرجح ألا يجد صعوبة في مضاهاة أي سلاح جديد في مواجهته .

وإذا كان الأساس المنطقي لتسليح المعارضة ليس كسب الحرب بل إضعاف مقاومة الحكومة للتفاوض، فبوسعنا أن نقول إن عناصر “الجمود الضار” بدأت تتضح بالفعل، حيث من المرجح ألا تفضي زيادة الأسلحة إلا إلى المزيد من الاقتتال والمزيد من الضحايا . والواقع أن الضغوط التي كانت الأكثر أهمية دائماً بالنسبة إلى نظام الأسد هي تلك التي يمكن تطبيقها من قِبَل روسيا .

والجديد والمشجع الآن بشأن أحداث الشهر الماضي هو أن روسيا وجدت أرضية مشتركة كافية مع الولايات المتحدة في القلق المتبادل بين الدولتين بشأن صعود نفوذ الإسلام المتطرف في منطقة مقسمة ومتقلبة على نحو متزايد لإبداء استعدادها لفرض بعض الضغوط على الأقل .

وسوف تكون التنازلات المؤلمة ضرورية من الجانبين إذا كان لمؤتمر جنيف أن يحظى بالفرصة حتى للانعقاد، فضلاً عن التوصل إلى اتفاق على وقف إطلاق النار والإدارة الانتقالية . ومن المشجع أن الولايات المتحدة، في أعقاب محادثات بين وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ونظيره الروسي سيرغي لافروف، تبدو على استعداد لتقبل اضطلاع بعض كبار المسؤولين في نظام الأسد بدور في أي تسوية، وأن بعض الاقتراحات البناءة بدأت تخرج على لسان بعض الجهات المعارضة على الأقل .

إن الحلول الوسط قد تكون بغيضة في نظر المتزمتين، ولكنها كانت دوماً تشكل المادة التي يصنع منها السلام، ولم تكن الحلول الوسط قط أكثر أهمية مما هي عليه الآن في سوريا .

 3/6/2013 – الخليج

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة