23 views

ما بعد حافة الهاوية: من المسؤول عن التصدي للكارثة الطائفية في العالم العربي؟ ـ د. عبدالوهاب الأفندي

نشر كل من مهاتير محمد، رئيس وزراء ماليزيا الأسبق، ومحمد خاتمي، رئيس الجمهورية الإيراني الأسبق، رسالة مشتركة يوم الخميس الماضي تندد بالتصعيد الطائفي المتزايد بين السنة والشيعة في عدة بلدان إسلامية. وقد ناشد الزعيمان في رسالتهما منظمة التعاون الإسلامي تشكيل مجموعة عمل خاصة للتصدي لهذه الظاهرة، كما طلبا من كل القادرين من الأفراد ومنظمات المجتمع المدني في كافة أرجاء المعمورة عمل كل ما يمكن للتصدي لهذه الجائحة التي تهدد مستقبل الأمة، والمسيئة إلى كرامتها وسمعتها ومكانتها في العالم.

ولا شك أن كل عاقل، مسلم أو غير مسلم، يشارك الزعيمين الكبيرين قلقهما من تردي الأوضاع، وتصاعد الاستقطاب الطائفي والخطاب القبيح المرتبط به. ولكن مجرد المناشدة لا تكفي، خاصة عندما تصدر من شخصيات بعيدة كل البعد عن الصراع. ذلك أن أهم جزء من المشكلة هي أن أشخاصا مثل الرئيس خاتمي لا يمثلون الرأي العام الغالب وسط مجتمعاتهم. صحيح أن أكثرمن ثلاثة أرباع الإيرانيين صوتوا لخاتمي في انتخابات عام 2001، ولكن التيار المتشدد بزعامة مرشد الجمهورية الإسلامية اية الله علي خامنئي قاد عملية التفاف على هذا التيار الغالب. ففي الفترة التي سبقت انتخابات عام 2005 التي فاز فيها محمود أحمدي نجاد، قاد المتشددون حملة ‘استئصال’ ضد المعتدلين، وصلت مرحلة الاغتيال لرموز التيار، وتلفيق التهم لآخرين، ثم إغلاق كل الصحف التي تنطبق باسم التيار. وكانت خاتمة المطاف هي إقصاء كافة مرشحي التيار المعتدل في الانتخابات البرلمانية والرئاسية من قبل مجلس ‘صيانة الدستور’.

كان هذا هو الانقلاب الأول على دستور البلاد وإرادة الشعب. وقد تبعه بزعم المعارضة انقلاب آخر بعد انتخابات عام 2009 التي يجمع المعارضون على أنها زورت لإعلان فوز أحمدي نجاد على مير حسين موسوي، رئيس الوزراء الأسبق وأحد المقربين من الزعيم الراحل آية الله الخميني. وفي السباق الانتخابي الجاري اليوم قام المجلس كذلك بإقصاء الرئيس الاسبق أكبر هاشمي رفسنجاني من السباق الرئاسي، الذي كان أيضاً من المقربين من الخميني.

ولعل من الطريف أنه خلال محاكمة سعيد حجريان، أحد المقربين من الرئيس خاتمي ومن أبرز مفكري الحركة الإصلاحية، في صيف عام 2009، اتهم زميلنا في مركز دراسات الديمقراطية بروفيسور جون كين، مع المفكر الألماني يورغين هابرماس والفيلسوف الأمريكي الراحل ريتشارد رورتي، بأنهم كانوا جزءاً من مؤامرة دبرتها أجهزة المخابرات الغربية لزعزعة النظام الإسلامي في إيران عبر الترويج لمفهوم المجتمع المدني! وكان هابرماس قد زار طهران عام 2002، بينما زارها كين مرتين آخرهما في عام 2004، حيث وصل كلاهما بدعوات رسمية وقدما محاضرات عامة. والأطرف أن ماكس فيبر، المتوفي عام 1920 ورد إسمه ضمن قائمة ‘المتهمين’ في هذه المهزلة السياسية-القانونية.

لكن الخلاصة المهمة من كل ما سبق هي أنه إذا كان خاتمي يفتقد النفوذ داخل إيران بحيث لا يستطيع أن يدافع عن مساعديه المقربين ضد مثل هذه التلفيقات، فهو أعجز من أن يؤثر في السياسات الرسمية التي تقف وراء الاستقطاب الحالي. وبالمقابل فإن زعيم حزب الله اللبناني حسن نصرالله، كان قد تحدث في وقت سابق من الأسبوع الماضي، معلناً تدخله رسمياً في الحرب الأهلية الدائرة في سوريا، ومجيشاً الرأي العام الشيعي خلفه، ومستعدياً الغالبية السنية وبقية العالم بمزاعمه غير القابلة للتصديق.

ما يقال عن خاتمي يمكن أن يقال عن مهاتير. فرغم أن الرجلين يحظيان بالاحترام في بلديهما، إلا أن نفوذهما السياسي والديني لا يقارن بنفوذ من يدعمون الاستقطاب الطائفي، من أمثال الشيخ يوسف القرضاوي الذي دخل المعترك من أوسع أبوابه يوم الجمعة الماضي بخطبة جاهر فيها بتكفير العلويين ودعا المسلمين السنة لدخول المعترك إلى جانب المعارضة السورية. وفي جو الاستقطاب المتصاعد هذا، تخفت أصوات التعقل والتقارب، وترتفع أصوات الثأر والانتقام.

ويلفت هذا الوضع الانتباه إلى مسألة لا تقل أهمية، وهي أن الصراع ليس في حقيقته بين الشيعة والسنة كما يشاع، لأن ما أوردناه عن الحالة الإيرانية يذكرنا بأن بأس النظام الإيراني أشد على الغالبية الشيعية في إيران، كما يظهر من حملاته على ممثلي الأغلبية، مثل خاتمي وأنصاره، وقدامى أنصار الثورة الإسلامية من أمثال موسوي ورفسنجاني، ممن يتمتعون بشعبية يفتقدها خامنئي وشيعته. نفس الشيء يمكن أن يقال عن العراق، حيث يفتقد رئيس الوزراء المالكي دعم الأغلبية وسط الشيعة، مما يدفعه للاجتهاد في خلق الاستقطاب عبر إيهام الشيعة بأنهم في خطر، حتى يزايد على منافسيه من أمثال إياد علاوي ومقتدى الصدر وعمار الحكيم وغيرهم.

من هذا المنطلق فإنه من الخطأ الوقوع في فخ الدعاية التي تنسب إلى نظام طهران أو مجموعة المالكي أو ميليشيا حزب الله تمثيل مواقف غالبية الشيعة. ومن هذا المنطلق فإن تصريحات مثل تصريحات الشيخ القرضاوي تصب في مصلحة هذه الجهات، لأنها تصور المعركة خطأً على أنها صراع طائفي، وبالتالي تجعل أفراد الطائفة يلتفون حول قاهريهم والمتاجرين باسمهم. صحيح ان هناك واجبا على أهل كل طائفة يحتم التبرؤ من متطرفيها والوقوف في وجه البغاة من صفها. وهناك قيادات شيعية مهمة في العراق ولبنان وقفت بصراحة ضد الانزلاق نحو التجييش الطائفي، ولكنها للأسف لا تزال تفتقد النفوذ والقدرات. فقد لايكون المالكي وخامنئي وحسن نصر الله يمثلون غالبية الشيعة في بلدانهم، ولكنهم يتحكمون في إمكانيات مالية وعسكرية وإعلامية تنكسف أمامها أقوال وأفعال مخالفيهم والمعترضين على سياساتهم. فقيمة الكلمات الطيبة تتضاءل كثيراً على خلفية القصف والقتل والتعذيب.

وفي هذا المقام، فإن مجرد المناشدة من هذا الطرف أو ذاك، أو تشكيل اللجان من قبل منظمة التعاون الإسلامي، لا يكفي للتصدي للكارثة الماثلة، بل لا بد من مواقف حاسمة. وبحسب التوجيه القرآني فإنه في حالة الاقتتال بين طائفتين من المؤمنين فإن أول واجب الأمة هو الإصلاح بينهما. فإذا فشلت جهود الإصلاح، وجب إذن حسب الأمر القرآني التصدي للفئة الباغية بالحسم والردع حتى تفيء إلى أمر الله.

في الحالة السورية فإن العالم كله يعرف من هي الفئة الباغية، ويعرف كذلك أن هذه الفئة ترفض أن تفيء إلى أمر الله، وفي أضعف الإيمان، التوقف عن القتل والتدمير. فقد جرت عدة محاولات لإقناع النظام السوري بالقبول بوقف لإطلاق النار يمهد لحوار حول حل سياسي. ومن هنا فإن التجاوب مع التوجيه القرآني يتمثل في قطع الدعم عن النظام السوري وتوجيه ضربات قاصمة له حتى يرتدع ويقبل وقف العدوان على الشعب السوري. ولكن للأسف فإن الموقف الذي اتخذته كل من إيران وحزب الله هو بالعكس تماماً مما أمر به القرآن، حيث اختارا الوقوف مع الفئة الباغية، وأن يصبحوا من جند يزيد في كربلاء القصير، حيث يقتل الأطفال قصفاً ويموت الأبرياء جوعاً وعطشاً.

المفارقة المؤلمة ان نائب زعيم حزب الله نعيم قاسم برر هذه الموقف الإجرامي بضرورة ‘وأد الفتنة’. وهناك إجابة قرآنية أخرى على هذا المنطق المعوج: ‘ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطه بالكافرين.’ ولكن المفارقة الأكثر إيلاماً هي أن هذه الحالة المأساوية ستكون كارثة على كثير من السوريين من الأبرياء في المدى القصير، ولكنها ستصبح كارثة أكبر على حزب الله وأنصاره على المدى البعيد. فعندما أعلن حزب الله عن تدخله السافر في سوريا، كان هذا إعلاناً منه واعترافاً بأن نظام الأسد على وشك السقوط، مما دفع بالحزب إلى إحراق كل سفنه والتخلي عن كل حذر وتجاوز كل محظور لإنقاذ حلفائه من سقوط محتم.

المعضلة هي أن هذا التصرف اليائس لن ينقذ النظام السوري من السقوط، ولكنه سيدفع حزب الله إلى الهاوية معه. فقد انجر الحزب إلى المستنقع السوري كما حدث لأمريكا في فيتنام من قبل والعراق وكما حدث للاتحاد السوفيتي من قبل في أفغانستان. ومن غير الواقعي أن يتصور أحد أن الحزب سينجح فيما فشلت فيه من قبل القوى العظمى. والنتيجة ستكون أن حزب الله سيستنزف في سوريا عسكرياً ومادياً كما تعرى أخلاقياً وسياسياً، وسيضعف بحيث يمنح خصومه في لبنان الفرصة لتغيير معادلات القوة هناك.

وفي أحسن الفروض (من وجهة نظر الحزب) فإن لو نجح في حسم الصراع في سوريا لصالح نظام الأسد، وهو أمر مستبعد، فإن مستعمرة حزب الله الجديدة في دمشق ستكون محاصرة من كل جانب، وسيرتفع الاستقطاب الطائفي في المنطقة بصورة ستجعل الشيعة في عزلة إقليمية ودولية لا سابقة لها في التاريخ الإسلامي. وقد كنا أسلفنا في مداخلات سابقة أنه إذا كانت إسرائيل وحلفاؤها في غاية السعادة بمغامرة حزب الله الانتحارية في سوريا، وما تورط فيه الحزب من استنزاف أخلاقي وسياسي وعسكري، فإن هؤلاء لن يقفوا موقف المتفرج إذا انتصر الحزب. فإذا كانت إسرائيل توجه الضربات لسوريا بحجة وقف شحنات الأسلحة للحزب، فكيف سيكون موقفها بعد أن تصبح سوريا وكل ترسانتها في يد الحزب؟ بالقطع عندها سنشهد التدخل المباشر لضرب الحزب، وعندها لن يجد له ولياً ولا نصيراً ولا مكاناً يختبىء فيه. وعليه فإن الحزب دخل معركة سيكون خاسراً فيها لو هزم، وخاسراً لو انتصر.

المطلوب إذن من وجهة نظر حزب الله وأنصاره، قبل غيرهم، هو التراجع عن حافة الهاوية، والخروج من المستنقع السوري بأقل الخسائر، وبالعكس من ذلك الضغط على حلفائه في دمشق على الإقلاع عن إجرامهم، لا معاونتهم في إثمهم. فالنظام السوري زائل وساقط لا محالة، ومن الأفضل للحزب أن يكسب صداقة الغالبية في سوريا ولبنان والعالم العربي، من أن يكسب صداقة فئة صغيرة تعادي شعبها أولاً ولا تنصرها إلا أنظمة معزولة ومرفوضة من شعوبها في طهران وبغداد وموسكو، حتى ولو كان لها نفوذ وقوة. فكيف يكون الأمر حين يزول النظام ويترك حزب الله وحيداً في وجه طوفان من الكراهية والبغضاء جلبه على نفسه وعلى كل الشيعة؟

هناك مقولة منسوبة للمسيح عليه السلام جاء فيها: ما ذا يفيد المرء لو ربح العالم وخسر نفسه؟ ولكن المعضلة تكون أكبر عند من يخسر العالم ويخسر نفسه في نفس الوقت، فيصدق فيه قوله تعالى: ‘وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين’. صدق الله العظيم!

‘ كاتب وباحث سوداني مقيم في لندن

القدس العربي ـ  JUNE 3, 2013

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة