34 views

بعث كردي سوري! ـ علي جازو

لا يمكن أحداً أن ينكر مظلوميّةً مديدة مستمرّة، على مثال جُرْمٍ جنائي مستمرّ، لاحقت الكُرْدَ السّوريّين. حوربت لغتهم ومُنِع تداولها وتعليمها، أهمِلَتْ مدنهم، مما أفقرهم وأبقاهم وسط مجتمع ريفي بائس يجمع حماسةً ناقمة إلى «براءة» خاوية، وبطولة فقيرة إلى تهوّرٍ أفقرَ. حدث هذا في الوقت الذي كان معظم نفط سورية، طوال أكثر من أربعة عقود، يُضَخُّ من حقول رميلان – القامشلي إلى حمص وبانياس، ومنهما ترفع عائداتُه إلى «أيدٍ أمينة» داخل هرم القيادة الحكيمة.

وتشهد تواريخ معيّنة على الضيق الذي خنق كرد سوريّة داخل رقعة جغرافية هي في الأصل ضيّقةٌ ومتقطّعةٌ. لقد ترافق اضطهادهم وكمّ أفواههم مع وصول قيادات عسكرية «عروبية» قومية وتسلّمها سدّة الحكم في كل من مصر وسورية. ففي عام الوحدة السورية- المصرية 1958، ما كان يجرؤ كرديٌّ سوريّ على اقتناء شريط تسجيل لأغنية كرديّة، وفي 1962 حرمهم إحصاءٌ عبثيّ حقوق الملكية وإثبات الشخصية والترشح لوظيفة حكومية، ناهيك عن الحصول على جواز سفر! لقد عوملوا كغرباء وأجانب منبوذين في أرضهم وقراهم التي طاولها إصلاح زراعي مزعوم، فاستوطن، أواسط السبعينات، «عربٌ سوريّون» مساحاتٍ شاسعة هي من أخصب الأراضي الزراعية شمال شرقي سورية، عدا أراضي أخرى استُوليَ عليها بحجة «تحقيق الاشتراكية» والتوزيع العادل للثروات، مما جرّد الكرد السوريين من حقوقهم العقارية وحرمهم الاستفادة من حاصلات العمل الزراعيّ، بعد أن جُرِّدَ عشرات الآلاف منهم من حقوق «المواطنة». وفي الوقت الذي تأسَّستْ فيه جامعة تشرين (اللاذقية) عام 1971، ثم الفراتُ (دير الزور) عام 2006، كانت الدراسات الاجتماعية والاقتصادية الوطنية «الحيادية» تقتضي جعل مدينة قامشلو (القامشلي) مركز إحدى الجامعتين المذكورتين.

وإذْ كانت انتفاضة 2004 سيلاً انتشلَ المسحوقين ورفعهم موجةً استثنائيةً فوق وجوه السلطة الأبدية، لم تكن الأحزابُ رافعةَ الحدث الفريد، قدر ما مسخَتْه ولفظته بُعيدها. غير أن كلّ ما سبق، على أحقيته وفداحته والحاجة الماسّة إلى وضعه في سياق الجور الشامل الذي حاق بجميع السوريين، لا يبرر طريقة تعامل الكرد في ما بينهم، ولا شكل خطابهم إلى الداخل السوري والخارج الإقليمي؛ إذ لا يعقل أن يخرج من بينهم عدد كبير من «الأحزاب»، سرعان ما تتضاعف وتنمكش، حتى تستغلّ وقتها «الثمين» لا لشيء إلا لتتحارب في ما بينها، في الوقت الذي كان عليها أن تتجاوز عقليات قديمة لتخطو بجديّة تتلاءم مع وضع غير مسبوق وغير عاديّ، فرضته وقائع شديدة القسوة وعميقة التحول مرت على السوريين منذ بداية الثورة.

إن طريقة عمل هذه الأحزاب، على اختلاف أسمائها المتاهية، وهو اختلاف لا يتجاوز اللفظ والاستعراض في أغلب الحال، لا تختلف كثيراً عن مفرزات الفكر القيادي المدمّر الذي دشنه البعث السوريّ، مما أوصل جموع السوريين إلى ما هم عليه. لقد نجح البعث في نقل رسالة المرض القومي الخلاصيّ، وروح الفساد النتنة التي أضحت طريقة حياة عامة وأسلوب «تعايش» جامعٍ، من دفّة الحكم المتعالي والمتحجّر إلى حياة ضحاياه المسحوقين وطرق تفكيرهم.

هكذا أمكن العجز والخواء، بسبب سلوك الأحزاب التي تدّعي تمثيل كردَ سوريّة والدفاع عن هويتهم وتحقيق مطالبهم المشروعة، أن يتسيدا المشهد السياسي الكرديّ السوريّ؛ فوظيفة الحزبيّ، وفق المعجم الكرديّ السوريّ العريق، على حال أشباهه مختلفينَ متماثلين، إطفاءُ شعلة الحاضر، وحبس الأمنية في رماد الماوراء.

فإذا كانت هذه حال أكثر فئات السوريين المعارضين تنظيماً وخبرةً، على ما يُشاع ويُتَوَقَّع، لا نجانب الصوابَ إذا لم نتوقع أي عمل سياسي جديد ومبتكر من مجاميع المعارضة السورية التي تقدم الدليل تلو الآخر على سقمها وهشاشتها ولا مسؤوليتها تجاه مأساة شعبٍ، لم يكفه بؤسُ نظامٍ وحشيّ، فابتُلي ببؤس حُماته المفترضين ومنقذيه «المناضلين».

5/6/2013 – الحياة

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة