35 views

حين كانت سوريا "أول السطر" ـ رستم محمود

لتنوع مجتمعها الأهلي التاريخي المركب، واستثنائية مدنها القديمةالحديثة، وموقعها الجغرافي، المتعين بتلاقي أهم الثقافات والكتل الجغرافية الأساسية، ولبساطة العيش فيها، واقتصادها المتنوع ودينامية طبائع أهلها، والهدوء السياسي النسبي الذي سادها خلال فترات طويلة من القرن المنصرم… كانت سوريا مستقراً نهائياً للكثيرين من غير السوريين.

سياح ومثقفون ورهبان ومتصوفة وتجار ولاجئون وفارون وعشاق ومتمردون، كانوا قد زاروها لمرة، ثم قرروا، لسبب ما، أن يقطعوا صلتهم بمنابتهم الأولى، ويعيدوا ترتيب حياتهم ويومياتهم ومستقبلهم في سوريا وكأنها بلادهم. الأب الإيطالي باولو دايلنو، والمسرحي التونسي حكيم المرزوقي، ومزاول مقهى الروضة الشهير العراقي “أبو حالوب”، والممثل السوداني ياسر عبد اللطيف، وعشرات الآخرين… ليسوا سوى نماذج شهيرة لآلاف المستقرين لسنوات أو عقود مديدة في سوريا، من غير السوريين.

لهذه النماذج الفردية أصول أعمق في التاريخ السوري الحديث، منذ بداية القرن العشرين وتأسيس الكيان السوري في شكله الراهن وحتى الأزمنة الحديثة، كانت سوريا مركز استقطاب “حنون” للكثير من الجماعات “القلقة” في عموم محيطها. شكّلت هجرة الجركس القوقازيين بداية هجرة الجماعات نحو البر السوري في بدايات القرن المنصرم. والغريب أن نظراء الجركس في الحرب تلك، أي الأرمن، شكلوا موجة النزوح الثانية الكثيفة في بداية القرن، والتي تلت هجرة الجركس بعد أقل من عقد. في ما بعد هاجر إلى سوريا الكثير من زعماء العشائر والعائلات البرجوازية الكردية “التركية”، هرباً من محكمة “الاستقلال” القومية التركية، التي أعقبت فشل الثورة الكردية الشهيرة العام 1925. في الثلاثينات، هاجر نصف الأشوريين العراقيين إلى سوريا، هرباً من عنف انقلاب بكر صدقي.

في نهاية الأربعينات، بدأ النزوح الفلسطيني القسري، مع فارق أن الجماعة الفلسطينية السورية، كانت الجماعة الأكثر تفاعلاً واسترخاء وهناءة وسلاماً، مقارنة بمناطق الهجرة الأخرى التي نزح إليها الفلسطينيون في المنطقة. في الخمسينات، اجتذبت سوريا الديموقراطية طالبي اللجوء السياسي من دول المنطقة. مع بدء عصر الاستبداد المديد، منذ بداية السبعينات، ولأن النظام توخى استحصال شرعية سياسية اقليمية ودولية عبر رعاية جماعات سياسية و”ثورية” مناهضة للأنظمة الأخرى، فإن عشرات الآلاف من السياسيين والناشطين وعائلاتهم عاشوا سنوات مديدة في سوريا: عرب أريتيريون وعلويون أتراك ويساريون عمانيون وإسلاميون فلبينيون (جبهة تحرير فتامي الفلبينية لها عشرات المقرات حتى الآن في دمشق”… وفي السنوات الأحدث، بدت سوريا ملاذ هجرة من أعمال العنف، ملايين العراقيين ومئات الآلاف من اللبنانيين…

المهم، وطوال سنوات وعقود، لم يشهد المجتمع السوري موجة رفض “فاشية” واحدة مناهضة لـ”ضيوف” البلاد، الذين تحولوا في فترات لاحقة إلى سوريين، والكثير منهم حضر في حياة سوريا العامة، وبات في حالات غير قليلة من “رجالات” الدولة السورية. طوال هذه السنوات والتجارب، لم تبرز أي نزعة سياسية أو ثقافية أو إيديولوجية أو اجتماعية مناهضة لاستقرار “الغرباء” في البر السوري، لا بدعوى تأثيرهم في “المقدرات الوطنية” وفرص العمل، ولا بهواجس مدى تأثيرهم في التركيب الديموغرافي الإثني والطائفي والجهوي. لقرن كامل كانت سوريا مكان استرخاء قابل لاستقبال الآخرين واحتضانهم، لتغدو أول السطر في حيواتهم الجديدة التي يبدأونها كسوريين.

يقال ذلك، وفي البال والذاكرة صُور من حياة وظروف حياة اللاجئين السوريين في الكثير من البلدان، ظروف ومناخات بالغة البؤس، وحالة رهبة ورفض لهم قد تقارب الفاشية.

 الجمعة 07/06/2013, المدن

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة