24 views

السوريون والمسلمون الشيعة ـ فايز سارة

لم يكن للسوريين موقف عدائي او متحفظ من المسلمين الشيعة في وقت من الاوقات، وامر كهذا ليس قولاً انشائياً، او امر يقال على خلفية ما يحصل من تطورات في سوريا وبعد التدخل العنيف لحزب الله اللبناني في الحرب الى جانب النظام ضد السوريين، ولا في المساندة التي تتجسد دعماً من ايران وبعض التنظيمات والشخصيات، التي توصف بالشيعية للنظام في حربه الدموية والتدميرية على السوريين وسوريا. انما الكلام تأكيد للمنحى العام الذي نظر فيه السوريون للمسلمين الشيعة، وللطريقة الاخوية، التي تعاملوا بها معهم باعتبارهم ابناء وطن واحد، او اخوة في بلدان اخرى، تنتمي الى الفضاء العربي الاسلامي الذي يجمع العرب والمسلمين بغض النظر عن التفاصيل الماثلة في اطار تلك الهوية، التي تكونت عبر أكثر من الف وخمسمئة عام.

ان اول حيثيات السوريين في موقفهم من المسلمين الشيعة هو ان جزءاً من هؤلاء مواطنون سوريون، حاضرون في الحياة العامة على قدم وساق مع مواطنيهم الآخرين، وهم جزء من النسيج السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي في العاصمة دمشق ومدن غيرها، كما في القرى البعيدة، وبصفة مستمرة، فقد كان سوريون من الشيعة اعضاء في نادي النخبة في مجالاتها كافة ومنهم آل بلوق وصندوق والنحاس واللحام والروماني، واحتل كثيرون منهم مناصب ومواقع ذات اهمية في البناء السياسي – الاقتصادي والثقافي في سوريا بعد الاستقلال.

وبطبيعة الحال، فان المواقع الدينية للمسلمين الشيعة في سوريا، كانت على الدوام على ذات القدر من الاحترام الذي يحيط بالمواقع الدينية للمسلمين السنة ولغيرهم من اصحاب المذاهب الاخرى، والمنتمين الى بقية الديانات. لقد حافظ السوريون على مدار نحو الف وخمسمئة عام على مقامات وقبور آل البيت في السيدة زينب والسيدة رقية وفي مقبرة الباب الصغير، وكذلك على مقامات شخصيات اسلامية يبدي الشيعة اهتماماً خاصاً بهم، خاصة وان هؤلاء هم موضع احترام لدى السنة السوريين اساساً.

لقد تجاوز السوريون تلك التشاركية التي جمعتهم مع مواطنيهم الشيعة، الى علاقة اخوية مع المسلمين الشيعة الذين حلوا في سوريا على فترات تاريخية مختلفة، ولعل التوقف عند حضور السيد محسن الامين الذي يحمل احد أحياء دمشق اسمه مثال على موقف السوريين من اخوانهم الذين وفدوا من بلدان اخرى، وقد جاء السيد الامين الى دمشق من لبنان وحلّ فيها كواحد من ابنائها، ثم صار واحداً من ابرز علمائها ووجهائها، وفي كل الاحوال لعب الرجل دوراً متعدد الابعاد والمستويات ليس في حياة دمشق، وانما في المستوى الوطني في ابعاده السياسية والاجتماعية والثقافية، وما زالت بعض اثار ذلك الدور ماثلة في دمشق من خلال المدرسة المحسنية التي اسسها محسن الامين في حياته لتكون منارة علم حديث.

وطوال عقود ما بعد الاستقلال، كانت سوريا ملاذاً للحياة وفرصاً للعيش لكثير من المسلمين الشيعة الذين وفدوا اليها من دول الجوار العربي والاسلامي من لبنان والعراق وايران وبلدان الخليج والى الابعد من ذلك، وكان بين من وفد اليها رجال سياسة ومثقفين وفنانيين واكاديميين، فروا من حكام طغاة على نحو ما كان، عراقيون وفدوا الى سوريا منذ سبعينات القرن الماضي هاربين من نظام صدام حسين، وانضم اليهم عراقيون هربوا من الحروب على العراق وبينها حرب ايران في الثمانينات، ثم الحرب الدولية 1991، والغزو الاميركي عام 2003، ولجأ شيعة لبنان مع اخوانهم من طوائف اخرى الى سوريا في خلال حروب اسرائيل على لبنان، والتي تصاعدت وتوسعت منذ بداية السبيعينات، وصولاً الى الحرب الاخيرة في العام 2006، وابدى السوريون على مدار عقود تعاطفاً شديداً وتضامناً بل ومشاركة في محن لبنان وشيعته على نحو خاص في مواجهة اسرائيل وسياستها العدوانية.

وان كان من خلاصة لمسار السوريين على تنوعهم وتعددهم في علاقتهم مع المسلمين الشيعة، فيمكن القول، ان ذلك المسار تميز بعلاقات اخوية وتضامنية الى ابعد الحدود، ولم يكن يشوبها اي بعد صراعي طائفي او ديني من شأنه تصعيد تناقضات وصراعات ضد الشيعة سوريين او عرباً او من بلدان اخرى، غير ان هذه القاعدة التي ترسخت على مدار عقود من عمر الدولة والمجتمع في سوريا، اخذت تتعرض للاهتزاز في العامين الآخيرين، حيث اعلنت ايران – التي تصف نفسها مرجعية للمسلمين الشيعة- وقوفها الى جانب النظام ضد ثورة السوريين ومطالبهم بالحرية والكرامة، وقدمت للنظام كل امكانيات الدعم العسكري والاقتصادي والمالي، قبل أن تنضم اليها جماعات ترتبط بها من حزب الله في لبنان الى مليشيات عراقية بينها قوات بدر وجيش المهدي، وكلها ارسلت خبراء وقوات واسلحة الى سوريا للقتال الى جانب النظام، بل ان اطرافاً بينهم ايران يقومون بحملات تنظيم مرتزقة لزجهم في المعركة ضد ثورة السوريين.

غير ان الاخطر من دعم النظام وشن الحرب على الشعب السوري قتلاً وتهجيراً وتدميراً، يتمثل في حملة دعاوية تحريضية، هدفها تصعيد حمى الصراع الطائفي ووصف السوريين بالقول انهم تكفيريين واصوليين، وانهم يعادون الشيعة ويعتدون عليهم، الامر الذي يوفر بيئة لصراع طائفي، يضاف الى ما تركته مشاركة حزب الله والمليشيات العراقية في الصراع العسكري في سوريا وسقوط مدينة القصير على ايدي تحالف قوات النظام مع حزب الله من أثار على العلاقات بين المسلمين من الشيعة والسنة في سوريا ومحيطها.

ورغم كل التطورات السلبية، التي نتجت، وما سينتج عن مشاركة ايران وحزب الله والمليشيات العراقية في الحرب على السوريين والحملة الدعاوية التحريضية ضدهم. فان ثمة ايمان، بان الجسد الاساسي للمسلمين الشيعة، هو خارج حسابات تلك الاطراف وخارج ما تقوم به من حرب وتحريض على السوريين، ليس فقط لان مسيرة الاخيرين هي مسيرة اخوة وتضامن مع الشيعة، بل لان المسلمين الشيعة وقفوا دائما ضد الظلم، ولايمكن ان يقبلوا الدخول في صراع يدمر وحدة المسلمين وبلادهم، ويدخل اجيالهم القادمة في مستقبل مجهول.

 8/6/2013 – المستقبل

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة