40 views

قصّة موزّع بقلاوة ـ سامر فرنجيّة

كتب حسام عيتاني منذ حوالى شهر مقالاً عن «الصمت العلوي»، توقّع فيه أنّ يكون غياب أي ردّ فعل لدى أبناء طائفة حيال مجازر تطاول طائفة أخرى مدخلاً «إلى تعقيد العلاقات الطائفية في سورية» وبداية لمسلسل مجازر ومجازر مضادة. هذا الاستنتاج الأليم على رغم صوابيته بُنِي على فرضية «الصمت»، فلم يكن هناك تهليل أو ترحيب بالمجازر ولا توزيع للبقلاوة. كان هناك مجرّد صمت، قد يكون إشارة الى خجل ما أو مجرّد عدم اكتراث لمصير الآخر. وكما هو متوقّع، كلما تعاطى أحد مع موضوع الطائفية، انتُقد الكاتب لإضاءته على تلك المسألة، ورفضه الخضوع للمنطق السائد القائم على تجاهلها، إمّا من خلال طمسها تحت سخافات قومية أو اعتبارها مجرّد اختراع، فرضه بعضهم في لحظة جهنمية على الناس الطيّبين.

هذا كان الوضع في لحظة الصمت. لكنّنا عبرنا هذه اللحظة مع سقوط مدينة القصير ودخلنا عصر البقلاوة. فخاض «حزب الله» هذه المعركة تحت شعار «محاربة التكفيريين»، مطهّراً ومنظّفاً ومقتلعاً «الإرهاب» وضارباً بعرض الحائط مشاعر طائفة بأكملها. وحول تلك المدينة الصغيرة بنيت أسطورة قومية-طائفية تشبه لحظات التأهب الكامل إبّان الحروب العالمية، فاستُنفِرت الطائفة واستَنفَرت والتفّت حول حزبها ومسيرة تحرير لبلد آخر. وإذا لم يكن هذا كافياً لتوتير ما لم يتوتّر بعد، استُقبِل سقوط القصير بإطلاق نار ابتهاجاً وتوزيعٍ للبقلاوة في الشوارع، وهنأت إيران «الجيش والشعب السوري» بـ «الانتصار على الإرهابيين». وبعد «اليوم المجيد» في ٧ أيار (مايو) ٢٠٠٨، بات عندنا عيد جديد إسمه «سقوط القصير».

موزّع البقلاوة، والذي قد يكون إنساناً طيّباً في العادة، يرفع تحدياً أخلاقياً وسياسياً في وجه أي مراقب. فالحروب الطائفية ليست لعبة أمم ومصالح دولية فحسب، بل أيضاً كلمة صغيرة من هنا وشعار خجول من هناك، وتوزيع بقلاوة احتفالاً بقتل بعض الناس الطيّبين لآخرين طيّبين أيضاً. ومزيج الطيبة وتوزيع البقلاوة يعكّر النظرة التقليدية للسياسة، التي تضع كل اللوم على فاعلين معينين، ليعيد طرح مسألة «الشر» ومسؤولية الأفراد.

وأحد أساليب التعاطي مع تلك المعضلة، إذا استثنينا القراءات الطائفية التي تؤبلس فقط موزعي البقلاوة المنتمين الى الطائفة الأخرى وقراءة الممانعة التي ترى في موزّع البقلاوة مقاوماً يحتفل بإنقاذ «ظهر المقاومة» من مؤامرة كونية، هو تجاهله عبر التمسّك المرضي بورقة التوت التي بات يشكّلها الخطاب السياسي السائد. فهناك «مقاومة» و «محاور سياسية» و «تاريخ استعماري» وربّما حتى «طبقات»، ولكن ليس هناك سنّة أو شيعة في المشرق العربي. أمّا التساؤل عن الخطاب الطائفي الذي يجري عبر تلك الممارسات، فبات هو الطائفية، إذ إن وصف الأمور في شكل طائفي، كما علمنا التفكيكيون، هو تثبيت لهذا الشكل، وهو المنطق نفسه الذي يحمّل مقدِّمة نشرة الأحوال الجوية مسؤولية الطقس الرديء لمجرّد توقّعها له.

ولكن، على رغم شعبية هذا المنطق وراحة البال التي يؤمّنها، فبعضهم يرفض التجاهل ويعترف بالأبعاد الطائفية لبعض الممارسات وبخطر الانزلاق إلى صراع عبثي. وهذا الاعتراف يأتي غالباً مصحوباً بتحليل يحجّم أبعاده الأخلاقية الصعبة. فوفق هذا التحليل، ليس مشهد كهذا إلاّ إشارة الى أيديولوجية طائفية تتحكّم بالناس الطيّبين، نتيجة سيرورة تاريخية تتزاوج فيها الرأسمالية والاستعمار والنيو-ليبرالية وتفكك مجتمعات العالم الثالث وغيرها من الآفات العالمية. وعليه، يتحوّل موزّع البقلاوة من مقاوم إلى ضحية تاريخ يجهله، لتعود الطمأنينة إلى قلوب محبي الإنسانية بأنه لا يزال هناك أمل في العالم وإن طمسته الأيديولوجيا التي تطلق النار ابتهاجاً بمجزرة قريبة. فالطائفية كتفسير لتوزيع البقلاوة تعيد بعض العقلانية والدفء إلى علاقة المراقب بمجتمعه، لتطمئنه إلى أن الشرّ مسؤولية بُنية صنعها الآخرون.

ولمن لا تكفيه تلك الحلول، يمكن الذهاب أبعد واعتبار تلك التصرفات نتيجة لبنية طائفية تقوم على تلك المبارزات التي لا نهاية لها. فموزّع البقلاوة اليوم يحتفل بسقوط القصير، لكنّ موزعاً جديداً سيخرج غداً للاحتفال بإعادة سقوطها أو سقوط غيرها في أيادي «التكفيريين». ومع كل سقوط، سيوزع صحن بقلاوة أكبر، لكي يتسابق الموت بين خطر التفجيرات ومرض السكري. فموزّع البقلاوة اليوم ليس إلاّ ضحية الغد، ومن يُحكم اليوم سنتعاطف معه غداً، ويمضي تاريخ منطقتنا هكذا. أمّا المسؤولية الشخصية، فلا مكان لها في تلك البنية القائمة على التماهي والمحاكاة. وقد يكون هذا منطق «حزب الله» والنظام البعثي، المدركين أنّهما إن لم ينتصرا كـ «نظام» و «مقاومة»، أمكنهما دائماً ألاّ يخسرا كـ «شيعة» و «علويين» في تسوية طائفية للصراع الحالي.

أمّا البعض الآخر، فاستسلم أمام صعوبة التحدي الذي رفعه موزّع البقلاوة وقرر الالتحاق به وبجماعته. فالطائفة صلبة وغامرة، وتقدّم من حين الى آخر بعض مناسبات الاحتفال الجماعي وتوزيع البقلاوة، وهو ما لا يقدمه خيار الفرد. وقد شهدت الأحداث السورية الأخيرة عودة واسعة لـ «أفراد» كانوا هجروا طائفتهم، وإن تركوا خط رجعة إسمه «المقاومة» تسللوا من خلاله إلى جماعتهم القديمة المتجدّدة. ففي وجه «آكلي القلوب» عند الطائفة الأخرى، يبدو موزّع البقلاوة مشهداً حضارياً، يمكن عبره الاحتفاء بالعودة بعد هجرة طالت بضع سنوات.

غير أنّ المعضلة تبقى حية. فهناك أفراد، مهما كانوا ضحايا إيديولوجيا أو طائفية، وزعوا البقلاوة لمقتل أفراد آخرين. وهذا ليس جديداً حيث كانت تفجيرات «القاعدة» في العراق تُستقبل بالحفاوة ذاتها عند بعضهم، لكنه يبقى مصدر انزعاج عميق، يجعلنا نترحّم على الصمت الذي كان يسود في الماضي.

بعث سيد المقاومة جنوده إلى القصير لمحاربة الفتنة. وانتصر عليها وعلى وجوهها التي لا تشبه في مخيّلته إلاّ وجه الشيخ الأسير. هذا وجه من الفتنة. لكنّ لها أيضاً وجهاً آخر هو وجه موزّع البقلاوة، الذي وعده السيد بانتصارات لا تحصى في ذاك الخطاب الشهير الذي يمكن اليوم تلخيصه بعملية توزيع بقلاوة استباقية. فمهما كانت التفسيرات والتبريرات لهذا الفعل، ومهما حمّلنا المسؤولية للأيديولوجيا أو الطائفية، يبقى هناك جانب صغير اسمه فردية موزّع البقلاوة. وهذا الموزّع، بهذه الفردية، وفي اقتناعه بهذا الخطاب، لا يحملنا إلّا على إدانته.

 الحياة ـ ٩ يونيو ٢٠١٣

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة