30 views

رقعة الشطرنج السورية ـ عبد الله بن بجاد العتيبي

التعبير برقعة الشطرنج لتوضيح الصراعات الدولية هو تعبير استخدمه مستشار الأمن القومي الأميركي زبغنيو بريجنسكي في كتابه «رقعة الشطرنج الكبرى» وهو تعبير مناسب لوصف تقاطعات السياسة وتعقيدات المصالح وتشابكات الآيديولوجيا وموروثات الماضي التي تدور على الأرض السورية.

للأزمة السورية ثلاثة مستويات: الدولي والإقليمي والداخلي. في الدولي بات معروفا أن روسيا الاتحادية تمتلك رؤية وإرادة وتقوم بالتنفيذ بينما الولايات المتحدة المنكفئة تبدو بلا رؤية ولا إرادة حتى الآن على الأقل، ويبدو أنها قد رضيت بتقاسم النفوذ العالمي والقوة الدولية مع روسيا من جديد، وذلك بعد جدل طويل الذيل دار في الأوساط السياسية الأميركية بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وولادة النظام الدولي الجديد أيام بوش الأب حول هل تبقى أميركا قائدة منفردة لهذا النظام أم تساعد على قيام شريك أو شركاء؟ فإن كان الثاني فهل يكون مع أوروبا موحدة أم مع روسيا أم مع الصين؟ فإن كان مع روسيا فهل يكون مع روسيا ديمقراطية أم مع روسيا قيصرية جديدة؟

بين الجهتين تأتي الصين المنحازة لروسيا وإنما مع تطلعات لبناء علاقات اقتصادية أقوى مع أميركا، وكذلك تعيش أوروبا حائرة حيث تمتلك بريطانيا وفرنسا رؤية وإرادة ولكن التنفيذ لديهما رهن بموقف أميركي لم يولد بعد، مع الإشارة إلى أن تعيين سوزان رايس مستشارة للأمن القومي قد يوحي بتغيير ما في الموقف الأميركي.

أما الإقليمي فإن دوافع إيران للسيطرة الإقليمية يقودها مجد قومي فارسي تليد تفتش عنه وتسعى لإنعاشه، وآيديولوجيا ثورية، وطائفية شيعية، وما يعوزها من القوة الاقتصادية المتقهقرة تأخذه من ميزانية العراق الذي يتعافى اقتصاده بسرعة ملحوظة، وتقابلها دول الخليج العربي وتركيا.

أما الداخلي فثمة فريقان؛ الأول، نظام الأسد وقواته المنهكة وخبراء روس وقادة إيرانيون وميليشيات عراقية وحزب الله اللبناني. والثاني، الائتلاف السوري المعارض والجيش الحر وجبهة النصرة ومقاتلون يتوافدون كلما استمرت الأزمة، وأهم من هذا كله الغالبية العظمى من الشعب السوري.

بلغة «الأهلة» في وصف السياسة التي بدأ استخدامها الملك عبد الله الثاني قبل سنوات فإن في المنطقة هلالين؛ الهلال الأول هو الهلال الشيعي الممتد من طهران وعراق المالكي وسوريا الأسد وحزب نصر الله في لبنان، والهلال الثاني هو الهلال الإخواني أو هلال الإسلام السياسي الذي يمتد من السودان ودول الربيع العربي تلك التي يحكمها الإخوان في مصر وتونس أو تلك التي لهم دور بالغ التأثير فيها كليبيا.

تساعد صور الأهلة حين تصورها على الخارطة في التوصيف ولكن محاور السياسة أعقد من بساطة الجغرافيا، ففي اليمن ثمة الحوثيون المنتمون للهلال الشيعي وثمة الإخوان المسلمون الطامحون للسلطة والمنتمون للهلال الإخواني، وكذلك حكومة غزة التي انتقلت من الهلال الأول للهلال الثاني، وهو هلال له علاقات تاريخية وتنظيمية وآيديولوجية مع الهلال الفارسي/ الشيعي، وهو هلال شريك في الدم السوري عبر الصمت الواعي عن الأزمة السورية بل والمساوم بين الدول العربية وإيران.

الجديد هو أنه بدأ يلوح في الأفق هلال ثالث يمكن تسميته بالهلال السني وهو هلال وإن لم يكتمل بعد غير أنه يمكن أن يشكل محور أمان في مقابل الهلالين القائمين، وهو يمتد من تركيا إلى السعودية ودول الخليج والأردن ويمكن عبر شراكات استراتيجية ضم أكراد العراق إليه خصوصا في ظل التفاهم الجديد بينهم وبين تركيا مع تبنٍ واضح ودعم معلن لحقوق الأحزاب والتيارات السياسية والجماعات الشعبية – سنة وشيعة – المضطهدة في العراق تلك التي ترفض رهن القرار العراقي بيد المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران.

وبعيدا عن إكراهات الخارطة – كذلك – في تصور الهلال السني، فإن ثمة دولا عربية كالمغرب وإسلامية كباكستان وغيرهما وهي بلدان مهمة ستدعم هذا الهلال الثالث في حال تم خلقه وتبنيه وتثبيت دعائمه.

إن أي استراتيجية لمواجهة الهلال الإيراني يجب ألا تستثني شيئا من عناصر القوة التي تمتلكها هذه الدول، من قوة العلاقات والتحالفات الدولية إلى قوة الاقتصاد إلى قوة البعد الآيديولوجي السني الذي تبرعت بإنعاشه إيران إن لم يكن لدى صنّاع القرار فلدى الشعوب إلى قوّة الردع العسكري إلى قوة الإعلام في تغطية حرب الإبادة التي يتعرض لها الشعب السوري، تلك القوة التي تؤثر عبر نقل «المجازر، التدمير، السلاح الكيماوي» في كثير من المنظمات الإنسانية الدولية القادرة على الضغط على صناع القرار.

ليس ممكنا لدول هذا المحور الجديد في ظل صراعات كبرى تريد إعادة رسم وتكوين المشهد السياسي في المنطقة على حسابها وانطلاقا من استهدافها إلا أن تستفيد وتستعمل كل عناصر القوة لديها لإثبات نفسها كرقم صعب لا يمكن تجاوزه وحماية شعوبها ومصالحها، وأحيانا يحتاج الحلفاء – كما الأعداء – أن يستحضروا ويستذكروا قوتك.

إن لدى هذا المحور كل مقومات النجاح والفاعلية في المشهد الإقليمي والتأثير في المشهد الدولي، وحماية مصالح دوله وشعوبه وحلفائه وإقناع المحاور الأخرى بأن دوله المسالمة والساعية للتنمية والرقي يمكن أن يكون لديها مخالب تحمي وتقي من مثيري الفتن والمتسلحين بالطائفية، ومن هنا ينبغي لهذه الدول أن تصرح أكثر بمواقفها وأن تسمي الأشياء بمسمياتها وأن تتخذ من القرارات ما يحاصر التغلغل الإيراني وأذياله وكمثال فقط يمكن البدء بإعلان حزب الله عدوا محتلا ومنظمة إرهابية وملاحقة استثماراته في دول الخليج وتركيا وطرد العناصر المنتمية إليه ومحاصرته بكل الإمكانات.

يعيش العالم العربي مرحلة ما بعد الدولة القومية والاعتماد على الدولة الوطنية وذلك بحكم تطور تاريخي على المستوى السياسي، وبحكم أن الدول التي كانت ترفع شعار القومية العربية كانت هي أول الكافرين بها على المستوى الواقعي والعملي، فقدمت نموذجا داخليا ديكتاتوريا شرسا ودمويا، وخاصمت الدول العربية التي يفترض أنها تعتبرها شقيقة، وهو ما فعله عبد الناصر في التحريض على الانقلابات السياسية ومحاولة تصديرها، وصدام حسين باحتلاله المشين لدولة الكويت، وبشار الأسد بتركه العرب جملة وتفصيلا وانخراطه التام والكامل في المشروع الفارسي الإيراني.

حين يعلن الهلال الإيراني أنه «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة» يجب أن يعلن الهلال السني أنه «لا صوت فوق صوت العقل»، والعقل كما ينحاز للحكمة حينا فهو ينحاز للحزم أحيانا.

  9 يونيو 2013  ـ جريدة الشرق الاوسط

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة