21 views

السقوط في سورية ـ أحمد جابر

الاقــــتتال المتــمادي في سورية ينــجلي تـــباعاً عن سقوط متعدد المســـتويات، لأفكار وخيارات وظنون، يشترك فيها النظري الوطني والمــــافوق وطني، ويســاهم في تسريع انحدارها العملي التحرري، المنخرط في قتال ضد العدو الإسرائيلي، والمتشبث بالصراع ضد «الإمبريالية» العالمية، وهيمنتها «الزاحفة على المنطــقة العربية»، وإلى أولئك ينضم «الديموقراطي الليبرالي» بنســـخه المتعددة، الحيرى بين مواءمة المحلي مع العالمي، وبين الالتحاق الكامل، أو التمايز الشامل. في خانة السقوط المتعدد الأطراف، تحــتل «المـــقاومة» المقام الأول، ليـــس لأنها أهم من باقي أطراف الانحدار، بل لأنها الأحدث بينها، ولأنها قدمت ذاتها كتجاوز للإخقاق «العربي الرسمي»، وكنســخة يمكن تمثلها على صـــعيد إســـلامي عام. مضمون السقوط المقاوم مغادرته لتصنيفه كحالة شعبية عامة، بما تنطوي عليه هذه الحالة من رفض فوري لواقع الاحتلال والهزيمة، وبما تعد به من مستقبل حر وديموقراطي، أي بما يستجيب التطلعات الشعبية التي قمعتها الأنظمة الأمنية العربية، وأعاقت إمكانية السعي إليها لعقود طويلة.

 

في سورية، صارت المقاومة جهازاً عسكرياً، وتحولت إلى قوة أمنية جوّالة، تتحرك بأوامر الحاضنة السياسية الأبعد، وتستجيب الدور المناط بها، من ضمن الاستراتيجية العامة لهذه الحاضنة. المقاومة بعد الحدث السوري، فقدت إسمها وصفتها، وبشيء من الحذر يمكن القول إنها فقدت «محليتها»، هي التي كان يمكنها، وبضغط من الإحساس بهذه المحلية، أن تصارح راعيها الإقليمي بما تستطيعه فعلاًَ، وبما لا تقوى على احتماله فوق رقعتها الوطنية. لم تستخدم المقاومة «دالتها»، بل ارتضت التصرف كقوة نظامية يحكمها قانون «نفّذ ثم اعترض»، هذا إذا كان للاعتراض من مجال، أو كانت لدى المنفذ رغبة في ممارسته.

 

المقعد الثاني على لائحة السقوط السوري حجزته فكرة القومية العربية. فالأمة العربية الواحدة صارت «أمماً»، وحرب المحاور عادت لتستعر بين الأقطار، و «العدو القومي»، بات أكثر حصانة بعد أن انهارت دول «الطوق» وتبدد عمقها، وبعد أن أخـــرجته الأدبيــات السجالية المتبادلة من دائرة الكلام، ومن ساحات الرمايات البلاغية. لقد برز جلياً، أن «العرب» مجتمعين، سمّوا المتدخلين في ســـورية بأسماء جزئية، فأشاروا إلى «حزب الله»، وجبهة النصرة، و «التكفيريين»، وما إليهم، واستبعدوا الأسماء «الكلية» المعروفة، المرابطة على حدود «الوطن العربي» وداخل تخومه. ماذا يبقى من القومية العربية عندما تفقد معناها التضامني والتكافلي ضد الخارج، وعــندما يغيب كل الحشو واللغو وتوابعهما، وكل ما أضيف إلى محتواها الذي قال بالعزة والكرامة والسيادة، وما سوى ذلك؟!

 

إلى الساقطين السابقين، يضاف ساقط ثالث هو معنى الوطنية الداخلية، وما يرتبط بها من توابعها الدولتية في نسقيها الرسمي والشعبي. لقد أظهر الحدث السوري، ما كان مستوراً عملياً طيلة عقود، من عجز الأنظمة التي نشأت بين الحربين العالميتين، الأولى والثانية، عن تكوين وطنيات داخلية ناجزة، وعن فشلها في تطوير وتنمية اندماج مجتمعي طوعي، فاكتفت بقولبة المجتمع قسرياً، وأعلنت وحدته شعارياً، واكتفت بالجلوس على ركام تناقضاته. هذه الوطنية الرسمية غير الناجزة، مكثت في موقع «الغريب» عن قاعدة بنيتها، وتمترست خارجها، بحيث كانت تناصب الجمع الوطني العداء على حدود التماس التغييري، وكانت وما زالت تستعين على هذا الجمع بكل قوى المؤازرة الخارجية. لطالما قدمت الأنظمة العربية التنازل للخارج، والتحقت به، وارتضت دوراً وظيفياً ضمن منظومة مصالحه، ولطالما قمعت شعوبها دفاعاً عن هذا الدور اللاوطني في منطوقه وفي معانيه.

 

سقوط مثلث الأضلاع في سورية، يفقد كل ادعاء معنى فوزه، ولا يبقي في الميدان إلاّ وقائع القتل، ولا ينقل إلى التاريخ إلا ذكرى الانحطاط الأخلاقي والسياسي والثقافي والوطني والقومي، على نحوٍ شامل، ومن دون استثناء طرف من الأطراف.

 

وبعد، ماذا يريد اللبنانيون من الحدث السوري؟ وكيف يناقشون؟ لعل الأهم يبقى في التمسك بكل ما يحمي الوطنية الداخلية، حماية صافية من شوائب الإضافات التحريرية والتحررية وديماغوجيا الخطب القومية البائدة.

 

 10/6/2013- الحياة

 

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة