24 views

مؤتمر “جنيف 2” في امتحان معركة القصير ـ عبد الاله بلقزيز

مؤتمر “جنيف 2” قد يصبح في مهب الريح . قيل هذا قبل أن تحسم معركة القصير، حين كانت مشكلة المؤتمر تحت عنوان حصري هو موقف المعارضة السورية من المؤتمر . فهذه لم تخف رفضها فكرة المؤتمر، منذ أن بعث الحياة فيه اتفاق لافروف – كيري، لأنه ببساطة يدعو إلى تسوية سياسية للأزمة السورية، وهي لا تريد تسوية تبقي على نظام الرئيس بشار الأسد بعد أن وضعت كل رهانها على إسقاطه بالقوة العسكرية . ولما كان يتعسر عليها رفض مؤتمر توافق الكبيران على عقده، وبارك “الاتحاد الأوروبي” توافقهما عليه، وازدرده على مضض “رعاة الثورة” الإقليميون (والعرب)، فقد وجدت لنفسها مهرباً منه من طريق ترفيع شروط التفاوض السياسية إلى حدود التعجيز، من قبيل الإصرار على تنحي الرئيس الأسد، أو في الحد الأدنى التمسك بصلاحيات رئاسية كاملة ل “الحكومة الانتقالية” تلغي، عملياً، منصب رئيس الجمهورية، أو تجعله شكلياً – وبروتوكولياً – مثل منصب الملك في أوروبا، أو رئيس تركيا، ولكن من دون انتخابات، ومن دون دستور يقضي بذلك .

والحق أن مشكلة جنيف الثانية لم تكن بسبب الشروط التعجيزية للمعارضة، فهي ما كانت تملك أن تفرض تلك الشروط في سياق توازن للقوى مختل عسكرياً لمصلحة النظام، وإنما كانت المشكلة من وجهين ومن مصدرين: من تفتت المعارضة السورية وتشرذمها وصعوبة التأليف بين أمشاجها في جسم سياسي واحد، وقرار سياسي واحد، يقابل تماسك النظام على طاولة المفاوضات، ثم – ثانياً – من وجود قوى راعية للمعارضة ترفض التسوية، وتدفع تلك المعارضة إلى عرقلة المساعي الدولية إليها . وكان لافتاً، حينها، أن النظام السوري قابل تشدد المعارضة المفرط ببعض من المرونة ملحوظ، فهو لم يرفع من سقف شروطه، ولم يشترط – مثلاً – أن توقف المعارضة عملياتها المسلحة، أو أن تلقي سلاحها شرطاً للتفاوض معها . تصرف بذكاء وحرفية سياسية، وترك لخصومه أن يرتكبوا الأخطاء وحدهم .

يختلف الموقف اليوم من “جنيف 2” بعد المتغير الجديد الذي مثله نجاح الجيش السوري في استعادة القصير، من الجماعات المسلحة، وما نجم عن ذلك من تلقي الأخيرة هزيمة عسكرية موجعة قد تؤثر في مسار الحرب الجارية، وتعيد النظر في مجمل الحسابات السياسية للأطراف الدولية والإقليمية الشريكة فيها . فالمتغير هذا ليس من التفاصيل العرضية في مجرى الحرب الدائرة في سوريا وعليها، ليس فقط لأن نتائج معركة القصير غيرت ميزان القوى العسكرية لمصلحة الدولة والجيش النظامي، وإنما لأن هذا التحول الطارئ في ميزان القوى سيلقي نتائجه على القوى الخارجية الداعمة للمعارضة المسلحة، وقد يدفعها – هي أيضاً – إلى تجنب مؤتمر ستفرض فيه موازين القوى العسكرية أحكامها على قراراته، ناهيك عما قد يعنيه هذا الانتصار، عند النظام، من دلالات قد يكبحها مؤتمر “جنيف 2” .

لنأخذ من كل هذه الأطراف، المشاركة في الحرب السورية، فريقين فحسب هما النظام السوري والولايات المتحدة (وحليفاتها الغربيات) تاركين – إلى مناسبة أخرى القوى الإقليمية والعربية بحسبانها الحلقة الأضعف، والأقل تأثيراً في المشهد . والفريقان هذان وحدهما يملكان أن يفتحا الطريق نحو مؤتمر “جنيف 2” أو أن يغلقاه، لأنهما الأفعل في الأزمة .

قد تخبو جذوة الاندفاعة السياسية الأمريكية نحو التسوية في جنيف لسبب مفهوم جداً: لن تجد الإدارة الأمريكية الكثير مما تنتزعه من سوريا ومن روسيا بعد هذا الانتصار العسكري الذي حققه الجيش النظامي، فأداتها الضاربة التي بها تضغط على دمشق وموسكو (المعارضة المسلحة) لم تقدم لها ما يحسن موقعها التفاوضي مع الروس والصينيين، وما يتيح لها أن تأخذ ما تبغي الحصول عليه . هذا ما يفسر لماذا تكتفي إدارة أوباما، اليوم، بإدانة السيطرة على القصير، ولماذا تتجاوب مع اتهامات فرنسا لسوريا باستعمال سلاح غازي، ومع الدعوة إلى تحقيق دولي في الأمر، بعد أن كان كيري قد أبدى تحفظات حيال الاتهامات غير المستندة إلى أدلة كافية . وهذا، أيضاً، ما يفسره الحديث عن إرجاء “جنيف 2” إلى شهر يوليو/تموز، وربما إلى ما بعده، وليس معنى هذا أن الإدارة الأمريكية ستنفض يدها من اتفاقها مع روسيا على مؤتمر للتسوية في جنيف، لأن معنى ذلك أنها ستترك لروسيا وحدها إدارة الأزمة، وللجيش السوري الذهاب في تيار قوة الدفع التي أطلقها انتصاره في القصير، وإنما معناه أنها لن تشارك في جنيف في ظل الشروط الجديدة، وقد ترجئه إلى حين يتحقق شكل من التوازن في القوى . وقد لا يستبعد أن تشجع حلفاءها الغربيين (فرنسا، بريطانيا) على تسليح المعارضة أملاً في استعادة التوازن الذي سقط في القصير .

وقد تجد سوريا نفسها غير متحمسة لمؤتمر قد يفرض عليها أن تقدم للمعارضة تنازلات لم تستطع انتزاعها منها في الميدان . ولعله سيرتفع أكثر من صوت، داخل الدولة والمجتمع، يقول إن سوريا حسمت المؤامرة ضدها عسكرياً، وأن لا معنى لأن تفاوض من تعتبرهم إرهابيين أو أدوات محلية للمؤامرة . كما قد يوجد عقلاء في الدولة يشددون على وجوب المشاركة في جنيف كي تحصد سوريا منه نتائج انتصارها . ومعنى هذا كله أن المشاركة في جنيف، التي كانت محط إجماع في الدولة والمجتمع قبل نهاية مايو/أيار، قد تصبح موضع تجاذب أو خلاف فيهما . وقد يكون موقف روسيا، في مثل هذه الحال، حاسماً في تقرير مصير الموقف السوري الرسمي في جنيف، مادام توطن لدى دمشق أن معركتها ليست مع معارضة داخلية، ومستقدمة من خارج، فحسب، وإنما هي مع معسكر دولي وإقليمي تقف الولايات المتحدة على رأسه، وهذه معركة لا يمكنها أن تخوضها من دون دعم روسي، ومن دون أخذ استراتيجيات روسيا والتزاماتها الدولية في الحسبان .

10/6/2013- الخليج

 

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة