23 views

القرضاوي مجّدداً ـ علي العبدالله

لم يفاجئني الدكتور يوسف القرضاوي في تصريحاته الأخيرة حول النصيرية والشيعة ولكنه فجعني مجدداً. فقد سبق وارتكب هفوات وأخطاء وتبنّى مواقف هزيلة لاعتبارات مصلحية «إخوانية» مثل اعتراضه عام 1981 على نشر جريدة إماراتية لكتاب «عن العروبة والإسلام» للدكتور عصمت سيف الدولة وهددها بإصدار فتوى ضد الكتاب، ما دفع الجريدة إلى التوقف عن النشر بعد أن كانت قد نشرت عشر حلقات منه.

وأيد القرضاوي حركة طالبان في أفغانستان، وشارك في الهجوم على دولة الدنمارك بسبب قضية الرسوم المسيئة للرسول، ودعا إلى مقاطعة بضائعها محملاً الدولة مسؤولية الرسوم مع أن النظام السياسي في الدول العلمانية يقف على مسافة واحدة من كل الأديان والمذاهب ولا يتدخل في شؤونها ويعاقب المسيء منها عبر القضاء، وكان الموقف السليم اللجوء إلى القضاء الدنماركي لمعاقبة المسيء ورد الاعتبار للرسول لا تهييج المسلمين لجني مكاسب سياسية، خصوصاً أنه كان مشاركاً في حوار الأديان. وقد لام الفنان نور الشريف على موافقته على موقف في مسلسل «عائلة الحاج متولي» حيث ينصح ابنه بعدم الزواج بامرأة ثانية باعتباره موقفاً ضد الإسلام الذي يبيح تعدد الزوجات، وزار دمشق واجتمع إلى رأس النظام وأشاد به، وزار إمارة حماس في غزة فقط باعتبارها إمارة «إخوانية».

لقد حالف القرضاوي إيران وحزب الله في السابق لاعتبارات سياسية أكثر منها دينية. وكان تحرك «الإخوان المسلمين» السياسي وتحالفهم مع إيران وحزب الله ابن لحظة سياسية كانوا فيها في حاجة إلى دعم إيران لمواجهة الأنظمة التي يرزحون تحت نيرها، ولكنهم غدوا يشعرون بعد ثورات الربيع العربي، التي أعطتهم مكاسب سياسية كبيرة على رغم تواضع دورهم فيها، بتباين في المصالح مع إيران وحزب الله، ما جعل الافتراق حتمياً بسبب تصادم مشروعهم مع المشروع الإيراني. أما تغليف الموقف باعتبارات دينية ومذهبية فلعبة مكشوفة وخطرة في آن.

بعد فشل المشروع الناصري، إثر هزيمة حزيران (يونيو) 1967، والشيوعي في ضوء انهيار الاتحاد السوفياتي وانفراط عقد حلف وارسو، بات هناك مشروعان إسلاميان يتصارعان على الهيمنة والسيطرة على المنطقة: المشروع الإيراني وجناحاه القومية الفارسية والإسلام الشيعي الاثنا عشري (تناغم معه «الإخوان» في المرحلة السابقة بسبب تقاطع مصالح في مواجهة القومية العربية والعلمانية والليبرالية والماركسية والأنظمة الحاكمة)، والمشروع «الإخواني» وجناحاه الإسلام السنّي و «الأخونة». لذا، جاء استفزاز القرضاوي وتوتره من تدخل إيران وأتباعها، من حزب الله إلى الحوثيين مروراً بالمالكي وعصائب أهل الحق في سورية، باعتباره تعدياً على مصالح «إخوانية».

لقد أخطأ القرضاوي في كلامه عن كفر النصيرية وكذب إيران وحزب الله وخداعهم على خلفية ما يحصل في سورية، وصب الزيت على نار الفتنة المذهبية بينما واقع الحال يشير من دون لبس إلى معركة سياسية يستخدم فيها النظام الدين والمذهب لشحذ الهمم ودفع المواقف إلى حدودها القصوى، على أمل تحقيق النصر على الخصوم السياسيين والأعداء.

وهذا يستدعي إبراز الأساس السياسي للصراع (ثورة شعبية في وجه نظام عائلي استبدادي وفاسد)، ومحاربة توظيف الدين في الصراع لما لذلك من انعكاسات سلبية على المحيط وعلى المسلمين في كل أنحاء العالم.

ينتمي القرضاوي إلى ثقافة «إخوانية» أكثر منها إسلامية، فـ «الإخوان المسلمون» الذين يسعون للسلطة متلفعين بمقولة «إن الله يزع بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن» يروج لفقه نمطي مكرور فضله فيه إعادة إنتاجه بلغة عصرية، إذا جاز التعبير، فقه ليس فيه كبير فائدة في مواجهة العالم الذي نعيش فيه والذي يستدعي اجتهاداً عميقاً للتوفيق بين قواعد الإسلام العامة وأدوات العصر ومقتضياته كي ينجح في حل مشكلات المسلمين المعاصرة ويسلحهم بما يساعدهم على حياة حرة كريمة لا تتصادم مع عقيدتهم.

ما فتئ الرجل يعيش أسير فقه مدرسي يكرره على الناس مع انغماس بالجسد في الحياة العصرية وانفصال بالفكر والروح عما يمور فيها من متغيرات وحركة فكرية وعلمية تضع بين يدي الإنسان إمكانات كبيرة وتطرح عليه أسئلة أخلاقية ووجودية كبيرة وخطيرة. فالرجل يكرر فتاوى قيلت في زمان آخر ومكان آخر ولا يعتد بما حصل في التاريخ والعالم من تغيرات وتحولات وما تفرضه الدولة الوطنية من التزامات وقواعد تعامل بين المواطنين. لقد قال ابن تيمية ما قاله عن النصيرية، على فرض صحته من الناحية الدينية، عندما كان الدين أساس العقد الاجتماعي والمواطنة، وهذه ليست الحال في ظل الدولة الحديثة التي تفرض على رعاياها احترام بعضهم والتصرف وفق مقتضيات القانون لا وفق انتماءاتهم الدينية أو المذهبية أو العرقية.

فمن غير الجائز في الدولة الوطنية، التي غدت قاعدة التعامل بين الأفراد والدول منذ بداية القرن العشرين على الأقل، التمييز بين المواطنين على أساس الإيمان بدين أو عدمه، والإيمان بمذهب أو بآخر، ودفعهم إلى قتل بعضهم بعضاً.

12/6/2013- الحياة

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة