28 views

موقف الأقلية.. والموقف منها ـ علي الظفيري

أشعر بالإنهاك من تناول المسألة المذهبية، ومن تكرار الحديث في موضوع الشيعة والسنة، هذا الملف لا يمكن أن يشهد تطورا جذريا دون مشاريع ديمقراطية كبرى، وبعيدا عن الاستبداد السياسي وسلطة رجال الدين، السلطة التي تقع فريسة الجهل والاستغلال السياسي والجماهيري، أو تحت وطأة النجومية وأوهام التمثيل، فالبعض يتخيل أنه ممثل لهذا الفرع أو ذاك من الأمة، كما أن الأزمات الكبرى، مثل ما تشهده المنطقة هذه الأيام، يجعل من كل حديث ضد الطائفية عديم القيمة والتأثير، بل مثار السخرية عند شريحة واسعة من الجمهور، ومع ذلك لا يجب التوقف مهما كانت الظروف عن الحديث في هذا الاتجاه.

للتوضيح، محاربة الطائفية لا تنفي الطائفية عن أحد، بل تبحث في حل لطائفيته، لأننا أمام خيارين لا ثالث لهما، إما معالجة المشكلة الطائفية وأسبابها وتغيير هذا الطائفي، وإما إقصاؤه تماما عن المشهد، الخيار الأول صعب للغاية ولكنه ممكن، أما الثاني فهو خيار مستحيل، وأرجو أن ينتبه الإخوة جميعا لهذا الأمر، خاصة أولئك الذين يصورون الموقف من محاربة الطائفية أنه تمييع للأمر أو محاباة لأحد، أنت مهما أردت وفعلت لا قدرة لك على إلغاء الآخر، أو نفي وجوده تماما من أمامك، وأتذكر مقالة قبل عامين تحدثت فيها عن موت الشيعة، بعد مشاكل البحرين والانتفاضة التي شهدتها، وتم تصوير الأمر على أنه ميل للشيعة وانحياز لهم، وحب المواطنين الشيعة والانحياز لهم ليس عيبا أو جريمة، بل واجبَ الإظهار في الظروف التي تستلزم ذلك، لكن الأمر لم يكن على هذا النحو، إنه انحياز دائم لوضع يسمح للجميع بحياة كريمة متساوية، واليوم وبعد أن تعقدت الأمور أكثر وأكثر، وبعد ارتكاب الشيعية السياسية الممثلة بأحزاب لبنان والعراق جريمة الانحياز للنظام المجرم في دمشق، فإن المحاولة السابقة لم يبطل مفعولها كما يتوهم البعض، بل على العكس من ذلك، الحاجة لطي هذه الصفحة باتت أكثر إلحاحا من ذي قبل، نحن اليوم على بوابة احتراب أهلي في المنطقة، ومن الواجب مواجهة ذلك بكل شجاعة.

أريد التأكيد على أمر مهم، ومرة أخرى في المقال، بسبب تفشي عدم الانتباه في عالم شبكاتنا الاجتماعية، محاربة الطائفية لا تعني عدم طائفية أحد، بل محاولة جادة وعملية لتبديل هذه المشاعر والمواقف، وهذه محاولة يقابلها موقف آخر يتمثل في الإمعان بإدانة الآخر، والتأكيد على طائفيته، وأنه لن يتغير أو يتبدل أو يتحسن، وأن موقفه عبارة عن عقيدة نهائية لا يمكن المساس بها، هكذا يتصرف الطائفي تجاه الطائفي الآخر، ومعها تستخدم عبارات وصفات بغرض التأكيد على هذا الأمر، بل السعي إلى تثبيته وتدعيمه وعدم منحه فرصة للتغير، ومصطلحات مثل الرافضة والنواصب والتكفيريين، تؤدي الغرض بالشكل المطلوب، وهذا ما يجب رفضه واستنكاره.

الموقف الشيعي الشعبي -وليس السياسي- من الثورة السورية موقف طائفي، بالنسبة لي لا جدال في ذلك، ولكن الثورة السورية ليست بداية التاريخ، هناك ما يسبقها على ما أظن، ما حدث في البحرين على سبيل المثال، وما يحدث في أوطاننا المختلطة منذ زمن طويل، وبالتالي نستطيع القول إن الموقف الشيعي من الثورة السورية موقف خاطئ جدا، وله أسبابه، وكل ما علينا فعله هو البحث في هذه الأسباب ومحاولة علاجها، أي كلام خارج هذا الإطار انفعال لا يخدم المشكلة، لكن الحل لا يأتي من خارج الإطار الشيعي فقط، بل من نخبه ومثقفيه ونشطائه، وهنا نتساءل: أين توفيق السيف وجعفر الشايب وحسن الصفار وعلي سلمان وغيرهم من النخب الشيعية في أوطاننا؟ مع حفظ الألقاب للجميع، لماذا ترد إدانات النظام السوري خجولة ومترددة؟ ولماذا يصعب إدانة الجرم النظامي وحده دون غطاء واسع يشمل الاستبداد والتكفيريين وغير ذلك، ولماذا يمثل حزب الله خطا أحمر في التناول والإدانة والتجريم؟ حزب الله ليس مقدسا على ما أظن، وإدانة القاعدة والتكفير والاستبداد موقف نشترك فيه جميعا بلا استثناء، والشيعة كمواطنين هم الأولى بإدانة الظلم والقمع من غيرهم. قبل فترة لاحظت في موقع تويتر من يلاحق الدكتور توفيق السيف، ويهاجمه بسبب موقف إيران وحزب الله والأحزاب الشيعية العراقية من الثورة السورية، وقد تألمت من هذه المحاولات العبثية في تحميل السيف جريرة ما يقوم به الآخرون، وكتبت في هذا الخصوص أن كل ما أتمناه عدم الدفاع عن هذه الجرائم، أما إدانتها من قبل مثقف شيعي في ظل أجواء التحريض والتعبئة والشعارات التي يحملها الطرف الآخر، فهي أمر أقدر صعوبته على هذا المثقف، لكن الأمور تطورت بشكل كبير، والمحاولات الرخيصة في التحريض المذهبي تجاوزت المعقول، وبات مهما أن يبادر الجميع في أوطاننا إلى وقف هذا العبث.

أولا: لا يجب مهاجمة المواطن السعودي على ما يفعله مواطنون في بلد آخر، بحجة الارتباط المذهبي بينهما، فهناك ارتباط وطني عرقي وديني بيننا، مع ضرورة أن يفصل أبناء المذاهب أنفسهم ولا يتورطون في ذلك.

ثانيا: المبرر الشيعي بوجود التكفيريين والحديث عن البحرين والمظالم الأخرى أدعى لإدانة جرائم الأسد لا السكوت عنها، ووجود بعض الطائفيين في الضفة الأخرى يستلزم القيام بموقف جريء ومحرج لهم، بل التأكيد على الموقف المبدئي في مواجهة الظلم بشكل صريح لا لبس فيه, وبعيدا عن الحسابات الشعبية الأقرب لبرنامج انتخابي غرضه تلبية ما يريده الناس مهما كان.

ثالثا: العمل الجدي والشجاع والواعي على عودة الموضوع الرئيسي المتمثل في مواجهة الاستبداد، والذي تتفرع منه قضايا الطائفية وغيرها.

كلنا أخطأ ويخطئ، والقضية الرئيسية اليوم في المنطقة هي موقف الأقليات والموقف منها، وبرنامج بشار الأسد ينجح يوما بعد يوم بسبب انخراطنا دون وعي فيه، وهذا ما يجب أن يتوقف.

12/6/2013 – العرب

 

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة