29 views

بانتظار معركة الحسم في حلب الشهباء ـ سليم نصار

لم يكن من الصعب التنبؤ بالخطوة العسكرية التي أقدم عليها الرئيس السوري بشّار الأسد عندما أعلن أن تحرير حلب سيبدأ خلال هذا الأسبوع. وبما أن الاستشارات تصله عادة من سفيرَي روسيا وإيران، فقد نصحاه بضرورة استكمال ما يُسمى بلغة العسكريين: استثمار الزخم وقوة الاندفاع.

وفي ضوء هذه النصيحة استطاع فريق النجدة، الذي توجه من قواعد «حزب الله» في الجنوب، أن يدخل الى مدينة القصير السورية، وينتشر في شوارعها وأزقتها خلال 17 يوماً. وجاءت نصائح السفيرَيْن الوحيدَيْن اللذين لم يغادرا دمشق، كما فعل سائر الدبلوماسيين، لتشدد على أهمية استغلال المعطيات الدولية والإقليمية التي تعمل لصالح النظام. وقد برز من هذه المعطيات أربعة:

أولاً – تورط الرئيس الأميركي باراك أوباما في برنامج التجسس والمراقبة، الأمر الذي أحرجه أمام الكونغرس والحزب الجمهوري، وعرّضه لانتقاد حلفائه الأوروبيين.

ثانياً – انشغال رئيس الحكومة التركية رجب طيب اردوغان بتصفية حساباته مع أحزاب المعارضة التي جمّدت نشاطاته الخارجية، وصرفته عن الاهتمام بشؤون جارته سورية.

ثالثاً – إعلان رئيس هيئة أركان «الجيش السوري الحر» اللواء سليم إدريس، عن رفضه الاشتراك في جنيف-2 قبل أن تتلقى قواته أسلحة نوعية تُحدِث تغييراً على الأرض.

رابعاً – فشل وزير الخارجية الأميركي جون كيري في إعادة الطرفين، الإسرائيلي والفلسطيني، الى طاولة المفاوضات.

كل هذه المعطيات شجعت النظام السوري على استكمال خطة استرجاع المدن التي احتلتها قوات مَنْ يصفهم الأسد بالإرهابيين والمأجورين. خصوصاً بعدما ساهم «حزب الله» و»الحرس الثوري» الإيراني في معارك شرسة استمرت 17 يوماً قبل استرداد مدينة القصير. وقد حرص الجيش النظامي على القيام بمهمة المساندة من الجو بحيث سهَّل أمام حلفائه عمليات «تمشيط» الشوارع وتفريغ المنازل.

عقب سقوط القصير، أعلن النظام السوري أنه أكمل سيطرته على هذه المنطقة الاستراتيجية في وسط البلاد، وربط دمشق مع الساحل. فيما أعلنت مصادر المعارضة عن محاولات أخرى قامت بها قوات النظام بالتعاون مع مقاتلي «حزب الله» وجماعات تنتمي الى العراق وإيران. كذلك أكد رئيس الأركان في «الجيش السوري الحر» اللواء ادريس أن معظم المقاتلين في معارك ريف حلب ودير الزور وريف دمشق كانوا من «حزب الله.»

تقول مصادر «حزب الله» إن القوة التي أرسِلَت الى القصير لم تزد على ألف مقاتل. ولكنها اختيرت من فرقة مدربة على حرب الشوارع، وأن دمشق زودتها بخرائط ذات تفاصيل دقيقة تظهر فيها كل الطرق وكل الأزقة، إضافة الى المداخل والمخارج ومواقع السواتر الترابية.

في اليوم الأول خسر «حزب الله» ثلاثين مقاتلاً. وكان ذلك بسبب الدفاعات الحصينة التي أقامتها قوى المعارضة استعداداً لمعركة الحسم. كما عزَت القيادة النظامية تلك الخسارة الى عدم التدرب مع قواتها، الأمر الذي أفقدها عوامل التنسيق والانسجام. لذلك اضطرت أمام تلك الانتكاسة العسكرية لأن تعيد تموضعها وتكرر هجماتها بحذر مفرط، خصوصاً أن قادتها كانوا من الجيل الذي حارب اسرائيل في صيف 2006.

واضع الخطة الحربية التي استهدفت استرجاع القصير حرص على تقسيم المدينة الى أربعة أقسام، وعلى إعطاء مقاتلي المعارضة الفرصة لاستخدام المنافذ الخفية في حالات التطويق والحصار الكامل. علماً أن المدينة التي كان يسكنها 30 ألف مواطن بدت خالية ما عدا ثلاثة آلاف رجل رفضوا إخلاء منازلهم. وقد لعبوا دوراً مهماً أثناء فترة المواجهة، بحيث كلفوا بنقل الجرحى وتوزيع السلاح والماء على الصامدين.

يؤكد المراقبون أن الحرب الأهلية في سورية أدت الى تمتين التحالف بين النظام من جهة وإيران و»حزب الله» من جهة أخرى. ويعترف بشّار الأسد، أمام أصدقائه المقربين، بأنه مدين لمقاتلي «حزب الله» بانتصاره في معركة القصير. ومثل هذا الانتصار، في رأيه، منحه زخماً جديداً في محاولة استعادة السيطرة على المدن المركزية مثل حمص وحلب.

خلال مرحلة التهيؤ لاستعادة هاتين المدينتين، كثيراً ما يُشاهَد في دمشق قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني. وهو يُعتبر أقوى شخصية عسكرية في ايران والمجموعات التابعة لنفوذه في الدول العربية. ومعنى هذا أنه يشرف شخصياً على سير المعارك.

وتُقدِّر الإدارة الأميركية أن «حزب الله» استنفر أكثر من خمسة آلاف مقاتل لمعارك سورية الداخلية، بينهم ثلاثة آلاف يشاركون مشاركة فعلية في مساندة الجيش النظامي. يُضاف الى هذا العدد سبعة آلاف متطوع انضموا الى المدافعين عن النظام، قدِموا من لبنان والعراق وروسيا ومختلف الدول العربية والأوروبية.

علي الموسوي، المستشار الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، اعترف لوكالات الأنباء أن الحكومة ملتزمة سياسة عدم التدخل في الأزمة السورية. وقال إن المالكي يرفض تسليح الجماعات المعارضة كونه يؤيد الحل السياسي، ويطالب بتطبيق سياسة النأي بالنفس.

وتسلم العراق أكثر من 14 جثة الأسبوع الماضي لشبان قضوا في معارك ضد المعارضة السورية قرب دمشق. وقد اتهمت المعارضة جماعة «عصائب أهل الحق» وكتائب «حزب الله» في العراق، بالوقوف وراء بعض العمليات.

في هذا السياق، ناشد الرئيس الشيشاني رمضان قادروف قادة المسلمين في بلاده تقديم المزيد من المعلومات والإيضاحات حول ما يجري في سورية بحيث يدرك الشبان حقيقة هذه الحرب قبل المشاركة في أحداثها. وكان مدير الجهاز الأمني الروسي، الكسندر بورتنيكوف، أعلن أن هناك أكثر من مئتي روسي يشاركون في القتال الدائر داخل سورية.

يُجمِع المراسلون على القول إن عدد المتطوعين للقتال مع المعارضة السورية قد تضاءل كثيراً بعد دخول الإسلاميين المتطرفين على خطوط الجبهة الأمامية. مثال ذلك أن الحملة الإعلامية التي شجعت شبان الألبان على الجهاد، قد توقفت بعد مقتل عشرة متطوعين جاءوا من كوسوفو ومقدونيا وصربيا.

والثابت أن التوتر المذهبي قد تجدد بقوة عقب سقوط مدينة القصير، واحتفال أنصار «حزب الله» في الضاحية الجنوبية من بيروت بسقوطها. واستغل الداعية البارز يوسف القرضاوي المشاهد المقززة على شبكات التلفزيون، كي يُصعِّد احتجاجه ضد الذين يقاتلون الى جانب النظام. في حين انتقد الرئيس الموقت لـ «الائتلاف الوطني» السوري المعارض، جورج صبرا، مشاركة ايران و»حزب الله» والعراق في معركة القصير، الأمر الذي يحرف القتال عن أهدافه الصحيحة. وتخوَّف من اندلاع حرب مذهبية سنية – شيعية في حال استمرت ايران في تحدّي المعارضة السورية ومَنْ يؤيدها من دول مجلس التعاون الخليجي.

بعد وصول تعزيزات عسكرية الى ريف حلب، تظهر الاستعدادات اللوجستية لدى الفريقَيْن أن معركة الحسم ستكون ضارية وطويلة. والسبب أن ثوار المعارضة تغلغلوا في الريف الذي يطوِّق أكبر مدينة سورية من الجهات الأربع. ويقدِّر المهندسون أن مساحة حلب تجاوزت الثلاثين كيلومتراً مربعاً بدءاً من خان العسل غرباً الى مستديرة المطار شرقاً. وقد ضمَّت أكثر من خمسين فندقاً بينها «قصر المنصورية» الذي استخدمته الدولة كقصر خاص بضيوفها الرسميين. ويقول مالكه إن هذا الفندق بُنيَ سنة 1570، وإن تاريخ المدينة يرجع الى أربعة آلاف سنة ق م، استناداً الى حفريات اكتشفها الألمان تحت ركام القلعة. وقد سجل هذه المعلومات المهندس عدلي القدسي بالتعاون مع مؤسسة الآغا خان واليونسكو.

يقول المؤرخون إن لقب «الشهباء» أطلِقَ تيمناً ببقرة سيدنا إبراهيم الخليل التي كانت تحمل هذا الاسم. وقد مرَّ في حلب بعد مغادرته «أور» في العراق متوجهاً الى فلسطين. ويُفاخر سكان المدينة، التي كانت تضم نحواً من أربعة ملايين نسمة، بأنها أنتجت أفضل الرجال المتفوقين في مختلف المجالات، اشتهر منهم: سعدالله الجابري وإبراهيم هنانو ورشدي الكيخيا وعبدالرحمن كيالي وناظم القدسي وساطع الحصري ومجدالدين الجابري ومعروف الدواليبي وعبدالفتاح الزلط ورشاد برمدا، وغيرهم.

الخبراء العسكريون يؤكدون أن الانتصار في حلب سيكون على حساب تدمير ما تبقى من معالمها المدمَّرة جزئياً، مثل الجامع الأموي الكبير والقلعة التاريخية والأسواق القديمة. كما يتوقعون أيضاً امتداد المعارك الى أكثر من شهرين، على اعتبار أن اختراق مناطق الريف يحتاج الى قوى مدربة على قتال البساتين.

منظمة اليونسكو اتصلت بقادة الفريقَيْن متمنية ابتعاد المقاتلين عن المواقع الأثرية المسجلة لدى المنظمة، مثل مئذنة جامع المهمندار التي يزيد عمرها على سبعة قرون، والواقعة في حي باب النصر. كذلك وجهت مديرة اليونسكو، ايرينا بوكوفا، نداء الى المحاربين ترجوهم حماية مواقع التراث لأنه من الصعب ترميم قلعة حلب مثلاً، إذا كان هدف المعارك المقبلة هو القضاء على البشر والحجر.

منذ أسبوعين حمل الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون على الرئيس باراك أوباما، واصفاً سياسته المتخاذلة بأنها تجرد الدور الأميركي من قوته، وتعطي روسيا، المنهارة اقتصادياً، صلابة هذا الدور. واتهمه بأنه يسعى الى تمرير ما تبقى من ولايته الثانية بتجيير دور اميركا الى دول الاتحاد الأوروبي التي أصيبت بخيبة أمل مريرة. وقد ذكّره كلينتون بالدور الذي قام به أثناء أزمة كوسوفو، وكيف وظف القضية الإنسانية لإنهاء الحرب، بعدما بلغت الارتكابات حداً لا يُحتَمل.

وكان كلينتون بهذا التلميح يشير الى الأرقام المرعبة التي صدرت عن الأمم المتحدة، والتي تتحدث عن 93 ألف قتيل في سورية كحد أدنى. في حين تقول مصادر أخرى إن الرقم تجاوز المئة ألف بكثير.

الدولة اللبنانية متخوفة من التأثيرات السلبية التي قد تتركها الحرب الأهلية السورية في النسيج الاجتماعي في لبنان. وقد ظهرت نتائج هذه التأثيرات عبر الخروق التي أحدثتها المروحيات السورية في بلدة عرسال. كما ظهرت في الشكوى الى الأمم المتحدة والجامعة العربية. وربما كان هذا الحد الأدنى الذي يمارسه الرئيس ميشال سليمان المؤتمَن على سلامة المواطنين وسيادة الوطن.

في مواجهة المأزق الذي تعانيه الدولة اللبنانية جراء دفاع «حزب الله» عن النظام السوري، وصلت الى بيروت أصداء الحملات السياسية التي تقوم بها دول مجلس التعاون الخيلجي حيال نصف مليون لبناني يعملون في الخليج. وهي أصداء غير سارة كشف عن بعض ملامحها التعاطي الحذر مع الحفلة المؤجلة للمطربة ماجدة الرومي في أبو ظبي!

 15/6/2013- الحياة

 

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة