34 views

جدل أم مضاربات إيديولوجية؟ ـ عبد الإله بلقزيز

لم يكُنِ الجدلُ الفكري في الصِّلة بين الدولة والدين، إمكاناً أو امتناعاً، اتّصالاً أو انفصالاً أو تمايزاً، شأناً جديداً على الوعي العربي وهواجسه، فهو عرف صُوَراً مختلفةً منه منذ القديم، أيَّامَ كانت مؤسَّسةُ الخلافةِ تَطْرَحُ عليه سؤال العلاقةِ بين السياسيِّ والدينيِّ فيها، وأيَّامَ انفرط عقْد الخلافة باستحالة أمرِها إلى «مُلْكٍ عَضُوض».

ثم ما لبث الجدلُ عينُه أنْ تجدَّد في تاريخنا الحديث والمعاصر في مناسباتٍ معلومةٍ ذاتِ خَطَر: انهيار الامبراطورية العثمانية وإلغاء مصطفى كمال (أتاتورك) منصب الخلافة، قيام «الدولة الوطنية» الحديثة من رحم الدولة الكولونيالية، حيث الانفصال فيها بين الحيّز السياسي-المدنيّ والحيّز الديني من الوضوح بحيث لا يقبل الشك، ثم تجدُّد موضوعة الخلافة في الوعي الإسلامي، منذ محمد رشيد رضا في العشرينات إلى تقي الدين النبهاني في الأربعينات، ومعها ميلاد فكرةُ «الدولة الإسلامية» مع حسن البنَّا، و «الحاكمية» مع سيّد قطب وأتباعه، وصولاً إلى اجتماع حركات «الإسلام الحزبي» (الإخواني والسلفي والجهادي…) على المطالبة بقيام نظامٍ سياسي على مقتضى أحكام الشريعة الإسلامية.

ليس الجدلُ في المسألة، إذاً، ابتداعاً ولا استعارةً من غير العرب (حتى وإن كان المستعارُ منهم هُم الإيرانيون الذين فرضت عليهم ثورتُهم الخمينية نظرية «ولاية الفقيه»)، وإنما هو جزءٌ عضويٌّ من كلٍّ إشكاليٍّ أشْبَعَهُ العربُ والمسلمون تفكيراً في الماضي البعيد، وفي الماضي القريب. غير أن تَجَدُّدَهُ، اليوم، وبالحِدَّة التي بها تَجََدَّدَ، يردُّ إلى ضَغْطِ متغيِّرٍ سياسي ذي شأنٍ كبير، هو انتقال نفوذ الحركات الإسلامية من نفوذ اجتماعيّ وأيديولوجي إلى نفوذ سياسيّ غداة وصول بعض تياراتها إلى السلطة، في بعض البلاد العربية، عقب «الثورات» التي قامت فيها وأطاحت نُظُماً سياسية سابقة. والحِدَّةُ في الجدل، في هذه المسألة، مبرَّرة تماماً بالنظر إلى سياقاتها الراهنة الملتهبة، ثم بالنظر إلى نوع المعركة السياسية التي يخوضها الجميع، اليوم، تحت عنوان هوية الدولة والنظام السياسي في البلدان التي تجري فيها تلك المعركة باحتدام.

فأما السياقات التي تبرر الحدَّةَ تلك فتولّدت من أن التغيير السياسي، الذي طرأ، لم يذهب بنظامٍ ليحُلّ محلّه نظاماً آخر فحسب، وإنما هو فَتَحَ الباب على مصراعيْه لإعادة طرح كيان الدولة نفسِه أمام البحث والتبديل والتعديل! ولم يكن الرأي واحداً في المسألة بين المختلِفين.

ففيما جاهر الإسلاميون، المنتصرون، بالرغبة في إعادة تأسيس الدولة على نحوٍ من الهندسة يُمَاهِي بينها والدين، أو يقيم نظامَها على مقتضيات الدين منظوراً إليه، طبعاً، من زاوية نظرِ «إسلامٍ حزبي» معبَّأٍ بفكرة الدولة الإسلامية منذ نيّف وثمانين عاماً…، جاهر العلمانيون (من ليبراليين وقوميين ويساريين) بالخشية من أن تتعرض الدولةُ، ومعها السياسة، لتغيير حاسم في المبادئ والقواعد لا يكرّس هزيمتهم في المنافسة الانتخابية فحسب، بل يُخرجهم من الحياة السياسية برمّتها، مثلما أُخِرج قبلهم علمانيو إيران منها!

هذا ما قضى بطبع ذلك الجدل، في المسألة، بطابع التوتّر الحادّ، والتشنُّج الذاهب في التعبير عن الموقف السياسي إلى حدود الاتهام المتبادَل!

وأمّا نوع المعركة السياسية التي تُخَاض، اليوم، تحت عنوان الصلة بين الدين والدولة، فليس يسيراً على أحدٍ التهوينُ من مستواهُ الاستراتيجي والحاسم، ولا استصغار شأن النتائج التي ستُسْفر عنها المعركةُ في نطاقه لمصلحة هذا الفريق أو ذاك. إنه المجال التأسيسي، مجال هندسة نظام الدولة وتحديد قواعده الحاكمة. ولا يخفى أن هذا النوع من معارك السياسة يتعلق بالأصول لا بالفروع، بالمبدئيات لا بالمواضعات، وبخاصة في مجتمعات سياسية قليلة الخبرة بأصول السياسة الحديثة، وتعاني فقراً حادّاً في ثقافة التوافق والتراضي بين الفاعلين في الميدان السياسي فيها.

إن المواجهة الجارية، منذ النصف الثاني من 2012، على جهة المجال التأسيسي (=كتابة الدستور) ليست تفصيلاً عادياً في يوميات السياسة، في البلدان العربية التي تدور فيها على تفاوُتٍ في الحِدّة (تونس، مصر، ليبيا)، وإنما هي أشبه ما تكونُ بمعركةِ وجود. ولذلك يطغى على الخطاب السياسي للمتواجهين فيها مقدار عالٍ من التصعيد في النبرة، من جهة، ومقدار من الإمعان في الإفصاح عن مطالبات حَدّية، ومواقف قُصْوَوِيّة، لا تَلْحَظُ غيرَ الفواصل والتمايُزات، وتعجز عن رؤية المساحات المشتَركة بين المختلِفِين.

غير أن مشكلة المشاكل في هذا الجدل أنه لا يدور، بين مَن يدورُ بينهم، بمفردات الفكر وأدواته وحججه، وإنما بمفردات السياسة ومطالبها. لذلك، فهو آخذٌ نحو التحول إلى مضاربات ايديولوجية!

 

الحياة ـ ١٦ يونيو ٢٠١٣

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة