23 views

مِن "لماذا يكرهوننا" إلى… لماذا نكره أنفسنا؟ ـ جهاد الزين

من حيث التسلسل العنفي لتاريخ المسلمين المعاصر أنتجتْ الحربُ الأفغانية “فتوى” إبادة الآخرين في الغرب والحربُ السورية بلورت “فتوى” إبادة الذات.

دعونا نسأل فوق اختلاف وجهات النظر، فوق المدافع وأعلى من الطائرات، فوق السكاكين – وهي سلاح “استراتيجي” في الحرب الأهلية السورية – فوق الاستبداد والمخابرات، بل فوق الثورة وقيم الثورة… دعونا نسأل:

ألا تتحمّل الثقافة الأصولية بما هي ثقافة متديّنين وليس نصوصاً مقدسة، مسؤولية انتقال هذا الجزء بل هذا القلب من العالم المسلم، والقريب جدا من قلب القلب في مكة، المسمّى قبل وبعد سايكس بيكو بلاد الشام، مسؤولية جوهرية بل فريدة في تحويل المسلمين، أصوليين ومنشقين، أكثرية وأقلية، بل مؤمنين وهراطقة، تحويلِهم هذا الدين العظيم إلى قوة تدميرية للذات قبل الآخرين.

في سوريا وقبلها العراق خَرَجْنا ويجب أن نخرج من أولوية جدل المعادلة الصراعية “نحن والآخرون” التي أطلقَتْها في صيغتها الأعنف والأفضح أحداثُ الحادي عشر من أيلول لندخل في جحيم معادلةٍ صراعيّةٍ أدهى هي “نحن ونحن”. من السؤال الأميركي الشهير (أكان صحيحا أو خاطئاً): لماذا يكرهوننا؟ إلى السؤال العربي والمسلم “الجديد”: لماذا نكره أنفسنا؟

المسلمون يدمّرون أنفسهم في دينامية هائلة، المسلمون بما هم باتوا منذ أربعة عشر قرنا لا مسلمين فقط بل “مسؤولين” عن كل مكوّنات هذه المنطقة، المسؤولية التي أصبح يهود هذه المنطقة “خارجها” فقط منذ منعطف تأسيس إسرائيل عام 1948.

… ثَبُتَ أن الصراع في سوريا – أي فور انتقال “الربيع العربي” من الضفة الإفريقية إلى الضفة الآسيوية – يُعلن أعمقَ انشطار إسلامي إسلامي في العصور الحديثة لا بمعنى فقط السُنّة والشيعة بل بكل معاني الانشطار التي ظهرت بين الفرق المعاصرة والجديدة (الإخوان – السلفيون) أو التي لم تظهر بعد.

في سوريا أكثر من العراق ومن أفغانستان انطلقت الطاقة التدميرية الذاتية بل الإبادية الذاتية لتوظيف الدين إلى أقصى طاقاتها. لأن مصادرة الدين، أي مصادرة نصوصه بالقوة، بلغت درجة مطلقة. بل أكاد أقول أن هذه “المَفْتَكة” نجحتْ في خلق صورة تعبوية جهنمية تُقدّم “السلفي” السوري أو الموجود في سوريا باعتباره السلفي “المطلق”، و”الشيعي” السوري أو الموجود في سوريا باعتباره الشيعي “المطلق”… الأول يحمل إسلاما عصبيا أكثر توترا من إسلام “رفاقه” الطالبان بما لم يتصوّر حتى كبيرُ معادلة السلفيين السُنّة محمد بن عبد الوهاب أنه سيوجد يوما ما، والثاني يحمل إسلاما عصبيا أكثر توترا مما يمكن أن يخطر على بال كبيرِ معادلةِ إسلامِ “الغرب ضد الشرق” إدوار سعيد أنه يمكن أن يوجد بين المسلمين أنفسهم أو أن يخطر في بال مؤسّس الأصولية الشيعية المعاصرة الإمام الخميني أنه سيوجد بهذه السرعة.

هذا هو “الهول… الهول” الذي يذكّر بعبارات فيلم فرانسيس كوبولا “أبوكاليبس ناو”… وبطله مارلون براندو.

هكذا من حيث التسلسل الفجائعي – الإجرامي تكون الحرب الأفغانية قد أنتجت “فتوى” إبادة الآخرين في الغرب وتكون الحرب السورية قد بلورت “فتوى” إبادة الذات.

تراودني ببعض الريبة فكرة أن الــ”سيّدَ قُطْبيّين” الكاملين لم يظهروا قبل الحرب الأهلية السورية! الآن ظهروا. وهذا ربما من علامات لا “نهاية الزمان” في معتقد الفرقة الشيعية الإثني عشرية وإنما من علامات “نهاية” زمن الأصوليات الدينية بكل أنواعها. النهاية التي سيقف جيلٌ جديد صباح انبلاجها ذات يوم لا يبدو قريباً ليجد أن الدمار الذي أصاب منطقتنا أي “إسلامنا” كله سيحتاج إلى عقود لإعادة بنائه إذا كان يعاد بناء بعض خساراته الجوهرية: التنوع الديني والقومي والمذهبي في المدن المسلمة التاريخية كالقاهرة وبغداد ودمشق. وأنا أقيم في مدينة، هي بيروت، كانت الأكثر اختلاطا بين المدن العربية في العصور الحديثة ولا تزال – بفضل المسيحيين – الأكثر ليبرالية اجتماعية في العالم العربي… أصبحت عمليا الآن مدينتين مسلمة في غربها ومسيحية في شرقها لولا … الجامعة الأميركية ومحيطها من “أزقة الاختلاط” الأكاديمي والثقافي والكوزموبوليتي. وفي الجزء الغربي انفصل تماما الآن الحيّان الشعبيان “المقاتلان” السُنّي في “الطريق الجديدة” والشيعي في “الضاحية الجنوبية” وداخل بقية غرب بيروت تكرّست بعض الأحياء القليلة “المذهبية” إنما لا زالت أحياء التداخل السكني هي الأوسع والأكثر ازدهارا وحيوية. أتكلّم هنا عن فوق الأرض… تحت الأرض، غيرَ المرآب الذي تقِف فيه سيارتي وسياراتُ جيراني…لا أعرف ولا أضمن!

إذا جمّعنا العديد من “مؤشِّراتٍ” بعضُها مغامرٌ وبعضُها تأسيسيٌّ، بعضُها عميقٌ وبعضُها انتحاريٌّ، بعضُها ناضجٌ وبعضُها قبل أوانه، بعضُها فرديٌّ وبعضُها جَماعيٌّ، لأمكن القول ربما أن “صفارة” عصر الذروة للأصولية الدينية قد أعلنت بداية مسيرة طويلة من العد العكسي. هكذا يمكن جمعُ الانتحارية الاجتماعية لتعرّي العربيّتين علياء المهدي وأمينة تايلر والإيرانية غولشيفْتا فاراهاني إلى النضالية الجَماعية السياسية لمحتجّي “تقسيم” في تركيا إلى “صيد الثعالب” (التعبير للشيخ راشد الغنوشي) في الصدام بين “حركة النهضة” الحاكمة والسلفيين في تونس إلى التحالف العنيد والمثير للإعجاب بين القطاعات الأوسع من النخبة الليبرالية والعلمانية المصرية ضد “الإخوان المسلمين” منذ اللحظة الأولى لإسقاط الرئيس حسني مبارك إلى ازدياد التباعد السعودي الإخواني إلى المواجهة الدموية غير المسبوقة بين الأصولية السنية السلفية والأصولية الشيعية في سوريا إلى إلى… هكذا يمكن جمع كل هذه المؤشرات غير المترابطة ظاهرا وأحيانا المتصادمة في سلّة “تيار” أو احتمال تيار العد العكسي. دعونا نقُل أيضا أن كل ذلك يحصل على قاعدة التخلف الاقتصادي العميق للعالم المسلم باستثناء الحالة التركية التي بإسلامييها “العلمانيين” وعلمانييها غير الإسلاميين، الحالة الوحيدة لنموذج تجربة علاقة ناجحة في الشرق الأوسط بين مجتمع مسلم والحداثة الاقتصادية.

السؤال الدائم: هل ازدياد أعداد الفقراء في العالمين العربي والمسلم سيكون عامل إطالة لهذه “الجهنم” التي يتصارع المسلمون عليها أم عامل تقصير لمُدد هذا الصراع من حيث تنبيهُهُ إلى القضايا الحقيقية لقياس مقدرة الجماعات على البقاء المحترم والكريم (من كرامة) على قيد الحياة العامة في القرن الحادي والعشرين؟

 18/6/2013 – النهار

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة