33 views

الفتنة الطائفية والأمن الوطني ـ عبدالعزيز السماري

ظهر الخطاب الطائفي المقيت بكل ما يحتويه من كراهية وتعصب وبغضاء على السطح بعد دخول حزب الله والقاعدة المتطرفين في فصول معركة الثورة الشعبية في سوريا ويبدو في الأفق اقتراب أكثر لموعد الحرب الطائفية الشمولية أكثر من أي وقت مضى، وهو ما تبحث عنه إسرائيل، والتي تمثل أقدم دولة في التاريخ يتداخل فيها العرق مع الدين في ثنائية متداخلة في صورة عجيبة.

صعود الطائفية المتطرفة في المنطقة كان أحد موروثات التاريخ الإسلامي ومخلفات صبغة الخلافات السياسية بالدين، وقد كان لرجال الدين اليد الطولى في تشويه الخطاب النقي في الدين الإسلامي بعد عقود من وفاة الرسول عليه أفضل الصلوات والتسليم..، كانت جميع أحداث التاريخ الإسلامي السياسية مؤطرة بالنص الديني، فالخلافات السياسية الكبرى بعد وفاة الرسول عليه أفضل الصلاة والتسليم قامت على نصوص دينية بدءاً من الأئمة من قريش، وحديث غدير خم، وحروب الخوارج، وانتهاءاً بظواهر الثورة الدينية الشيعية في إيران وفصول الإرهاب الديني السني في العصر الحديث.

ما يحدث في سوريا هو صراع سياسي بامتياز، وتم تغليفه بخطاب ديني طائفي، ساهمت إيران وحزب الله والقاعدة في تأجيجه لدرجة الغليان، وسيدفع ثمنه الاستقرار والسلام في المنطقة، ويعود تداخل الخطاب الديني مع السياسي إلى إرث طويل في المنطقة، فقد كان حافظ الأسد العلوي الطائفة، والبعثي العربي يقدم نفسه أحياناً في صورة الإمام الذي يأخذ شرعيته من المفتي السني في البلاد، تماما مثلما فعل صدام حسين السني، والذي كان الوجه الآخر للبعث العربي العلماني، لكنه مع ذلك كان يستقوي بالمرجعيات الدينية الشيعية والسنية، وذلك لنيل ثقة المواطن البسيط وتأييده في استبداده المطلق.

كانت الثورة في سوريا في بداياتها تدعو للديموقراطية والمجتمع المدني، ولم تأخذ الصبغة الدينية، وكانت قريبة من الانتصار لولا تدخل أطراف التطرف الديني في شقه الشيعي المتطرف ممثلاً في إيران وحزب الله، وفي شقه السني المتطرف ممثلاً بالقاعدة، والتي تقدم خطاباً مزدوجاً، فهي في ناحية ضد النظام، وفي نفس الوقت لا تريد أن ينتصر الائتلاف الوطني في قيادة الثورة السورية، وذلك لئلا تخرج دولة موالية لأمريكا في المنطقة حسب تصريحات الظواهري.

ما نسمعه ونقرأه في هذه الأيام مؤسف للغاية، فلغة التعميم والكراهية طالت الجميع، فالسني يحذر من الشيعي أياً كان، على أنهم أعداء الأمة، وظهرت قوائم لأسماء المؤسسات التجارية للشيعة وللعوائل الشيعية في البلاد، فهم حسب الخطاب السني المتطرف أخطر أعداء الأمة، وفي الجانب الشيعي المتطرف نسمع بصورة يومية شتائم وتحدي واستفزاز يزيد من حدة الفتنة الطائفية في المنطقة، ومن أجل الأمن الوطني والسلم الاجتماعي يجب أن يظهر خطاب مضاد للتطرف الشيعي والسني، على أن يكون معتدلاً وموضوعياً، ويشمل أصواتاً من الجهتين، وأن لا يعمم الإنسان في خطابه، ولئلا نضع الشيعة في قالب التطرف الشيعي الذي تمثله إيران وحزب الله، مثلما لم نضع السنة في قالب التطرف السني الذي مثلته القاعدة في أبشع صوره، لئلا تحدث الكارثة، وندخل في فتنة لا تحمد عقباها، وذلك من أجل حماية الوطن من الفتنة الطائفية.

كانت الدعوة للمواطنة وآليات المجتمع المدني في المنطقة خياراً موضوعياً للخلاف الأزلي الديني بين الفرق الإسلامية، ولم تكن الدعوة إليهما نخبوية علمانية أو ليبرالية، وقد أصبحتا ضرورة حتمية لخروج خطاب إصلاحي بديل في الأمة عن الخطاب الطائفي المتطرف، وإذا لم نتعامل مع المواطنين من خلال الانتماء للوطن بدون تفرقة عرقية أو طائفية، ستشوه الفتنة الطائفية صورة الوطن، وستدخل الأمة في مرحلة التيه والضياع إلى حين، ولكن هل من عقلاء يخمدون نارها قبل بدء الجنون الطائفي المنتظر.!

 18/6/2013- الجزيرة

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة