40 views

عربيا وإسلاميا: متى يمكن للحرية ان تحكم بفعلها وليس باسمها! ـ مطاع صفدي

قد يقول البعض: إنها مِلَلٌ ونِحَلٌ طوائفية ومذهبية تقاتل بعضها. هكذا يمكن أن تؤول إليه عبثيات الصراعات الدموية في المشرق، بعد أن اجتاحت البشر والحجر، مخلِّفة وراءها حطامَ العقائديات والنظريات، كشواهد لفظوية. إنها مباريات جهنمية بأعداد المجازر المتبادلة بين مختلف الأفرقاء، ونماذج الفظائع المبتكرة فيما بينهم. هؤلاء فقدوا أسماءهم، تصنيفاتهم الحزبية والسياسية، باتوا جميعاً متساويين في التخلّي عن أوصافهم الإنسانية والاجتماعية المعتادة السابقة، صاروا هم أعداء بعضهم بعضاً فحسب. والعداوة شر أفظع من شرور الحرب نفسها.

إن العداوة منبعثة ما قبل الحرب، وباقية بعدها، أما خلالها فإنها تنجز خرابها المطلق، إذ تتحول إلى خزين من الضغائن الشعبوية، مستقرة في اللاوعي الجمعي بانتظار كل أزمة مستقبلية قادمة. قد تبدأ سياسيةً أو مبدئية، لكنها لا تلبث أن تتساقط في مستنقع الملل والنحل إياها.

وقد قيل أن توصيف الصراع بغَلَبة الجماعات الدينية، يطابق واقع الحال الذي تطورت بموجبه، خاصة معركةُ (القصير) الأخيرة؛ فالقوة الأساسية الغازية من خارج الحدود السورية، هي معقودة لحزب الله المتميز بتكوينه الديني المذهبي، وفي جهة الثوار تبرز تنظيمات الجهاديين من جماعة (النصرة) وجنود الشام وأمثالهم.

فالغَلَبَة الواضحة على المعسكرين هي أن الأكثرية الفاعلة باتت معدودة من تشكيلات الاسلام السياسوي. وقد صرّح السيد حسن نصرالله نفسه، أنه ذاهب إلى سورية لمقاتلة التكفيريين، كما دعاهم، لكن أليست كل (فرقة) دينية تعزو العقيدة الخالصة إلى ذاتها، وتُخرج كلّ الآخرين عنها، تكفّرهم، أو أنها تدعو إلى إعادة أسْلَمتهم. بمعنى أن يتخلّى هؤلاء عن عقائدهم السابقة، ويلتحقوا بثقافة الفرقة الجديدة هذه، لعلها تعتبر نفسها أنها هي ‘الفرقة الناجية الوحيدة يوم القيامة’، بحسب الحديث الديني المتداول..

هذه التصانيف من مللٍ ونحلٍ وفِرَق، شِيَعٍ وطوائفَ ومذاهب، يتناولها العلمُ المعرفي جميعها تحت خانة الأدلجة. وقد عرفها العرب منذ جاهليتهم القَبَلية تحت أسماء العصبيات، التي شكّلت بدورها المادة الثقافية لنظرية العصبية عند ابن خلدون، غير أن العلم الحديث درس سلوك الأدلجة في نطاقها المجتمعي الكوني عامة، وكان لها عصرها الذهبي إبان الحروب الأهلية الكبرى الأوروبية والموصوفة بالعالمية، التي اجتاحت أوروبا ومعظم أنحاء العالم خلال القرن العشرين المنصرم، وهي المشْـتهرة تحت تسميات أيديولوجياتها الفاشية والنازية والشيوعية.

وبالطبع لا يمكن نسيان الفصيلة الكبرى من الحروب الدينية الرهيبة، ونموذجها الغربي الأهم المعروف بحرب المئة عام التي خاضتها المسيحية الأوروبية بين شطريْها الكاثوليك والبروتستانت.

لا شك أنه لا يمكن لنظرية الأدلجة أن تستوعب هذا الخليط الأوسع من صراعات عصبيات الاجتماع البشري، لكن معينها من المفاهيم قد لا ينضب بقدر ما تتجدد تجاربُها وتتنوع حتى في ظل هذه المدنية الراهنة التي تلف عالم اليوم، إلا أنه أصبح بالإمكان على الصعيد المعرفي التمييزُ تاريخياً بين أدلجات/عصبيات أهلوية سابقة على تكوين الاجتماع الإنساني الموصوف بالحديث والمعاصر، وبين أيديولوجيات هذا الاجتماع نفسه. فالأولى كانت مقترنة بالأساطير والمعتقدات البدائية، ثم تطورت مع الديانات التوحيدية الكبرى، صاحبتها وغذَّت كلَّ تفريعاتها. لكن النوع الثاني الذي أعطى للأدلجة صيغتها المعرفية والحداثية الأوضح، هي التي أفرزتها نظرياتُ التطور/التغيير النموذجي الكوني الذي افترضته كلٌّ منها محقِّقاً محتوماً تسييرُه لمجمل التاريخ البشري، وكان منها تلك الفاشيات والماركسيات.. وحتى بعض (الديمقراطيات) الغربية، لكن التصنيف المعروف بلفظة الشمولية أو التوتاليتارية، يظلّ عالقاً بمثاله البارز في تجربة الاتحاد السوفييتي وأضرابه، ومن النُسخ المصغّرة عنه التي استوردتها دولُ العالم الثالث الناشئة حديثاً، ولقد عانى منها عالمنا العربي أمثلةً صارخة هبطت بمفهوم الشمولية إلى أدنى خاصية فردوية تجسّدت في حكم الفرد الطاغية وأتباعه، بما يشمل الدولة والمجتمع والوطن.

هذه الشموليات العربية الموظفة سياسياً واقتصادياً لحساب أضيق الخواصّ، مارست أنواع التسلّط المطلق الذي يُعْوِزُه دائماً كلُّ أساليب التسويغ المشتق لفظوياً من أعلى أنظمة القيم السائدة في مرحلتها الراهنة.

فالتسلّط والأدلجة شريكان عريقان في إنتاج ودعم الأنظمة الشمولية، وقد تتعدد تجاربهما، يصعدان معاً إلى قمم الأحداث العامة، ويتساقطان معاً دونها. لكن آلية المشاركة وإنتاج كل منهما للآخر، تظل قائمة وقابلة لإعادة التشغيل في ميادين الصراعات الجماعية القادمة.

مجتمعاتنا العربية هي المعرضة أكثر من غيرها لجاذبيات الانقياد الغريزي تحت بوارق الدعوات الشمولية ذات الآفاق الخلاصية، والواعدة بالجنان المفقودة ضداً على صحارى الواقع المعيشي للكتل الجماهيرية. غير أن هذه الكتل لا تُترك لحدسها العفوي، فلا تكاد تختار أفكارها أو مبادئها من تلقاء ذاتها، فهي واقعة غالباً تحت مؤثرات منظمة وفعالة، عالمة وخبيرة، ومالكة لوسائل الإغواء والجذب والاستيعاب. فالمرحلة الحالية المسيطرة على عقلانية القارة الاسلامية لها عنوان أُحادي، مكافح لهذه العقلانية بالذات، يتقنَّع تحت الدعوة إلى إعادة الأسْـلَمَة، في حين أن المقصود هو إعادة انقياد الكتل لمفاعيل الأدلجة، بحيث يفترس التنميطُ الغيبي كلَّ مبادرة عفوية للفرد أو الجماعة. هذه المساحة البشرية الهائلة من كل الناس والعقول والأذواق والإرادات، يجب اعتقالُها سلفاً في قوالب الإرشادات القسرية والطقوس والتعاليم الفوقية. فالخطر الأعظم الذي تقدره هكذا، وتُواجِهه أدلجةُ التدين القسري هو مولد الفرد الحرّ.

ذلك أنه بعد أن كادت النهضة المعاصرة أن تُنجز تصفيةَ حساباتِها مع حقبة الأيديولوجيات الشمولية الكبرى، من قومويات ويسارويات وطوبائيات رومانسية، أهرقت الشيء الكثير من مؤونة الاندفاعة الحضارية التي منحها الاستقلال الوطني لطلائع شعوب الأمة المتجددة، عشية جلاء جيوش الاستعمار الأجنبي عن أقطار الوطن الأوسع، في هذا المنعطف الذي يكاد العقل العربي يُودّع عبره عصراً كاملاً من مغامراته الأيديولوجية القصوى، حتى قبل أن يستوعب تجاربها ودروسها الغنية بكل تناقضات التاريخ والاجتماع الإنساني، فإن هذا العقل نفسه صار مضطراً لاستقبال عصر آخر للتديّن السياسوي، أي للمواجهة المفصلية هذه المرة مع الجذر الأصلي التاريخي لكل أيديولوجيا شمولية، متمثلاً في إطلاق سُعار التديين القسري، المُطَقْسن المنمّط، والمنخرط في تركيب الكتل البشرية من خلال تعددية متعارضة عقائدياً ونمطياً فيما بينها، مقابل طابع التماثل التسووي داخل كل تشكيل منها على حدة.

هذا المنعطف المفصلي بين الحقبتين لتاريخ الأدلجة العربية المعاصرة، الذي يمكن ترميزُه في لحظته الأولى باليقظة العلمانية نحو الأفكار الخلاصية الكبرى، ولحظته الثانية والراهنة الذي يمكن توصيفه بالنكوص، بالرِدَّة، بالعودة القُهقرى إلى ما قبل حتى الدين نفسه، إلى شبكية العصبيات البدائية، مع الفارق أنها اليوم هي عصبياتٌ مستحدثة، ليست غريزية تلقائية بقدر ماهي مدبّرة ومنظمة وأنتجتها عقول علمية خبيثة، وضعت قواعدها وشروطها، ورسمت وسائلها، ووفّرت ظروفَ تحقيقها. نقول أنه في هذا المنعطف انفجر ‘الربيع العربي’، كان يمكن له أن يصير هو محصلة الدرس الأخير لتجارب النهضة الفاشلة في حقبتها من الثورة العلمانية، أي المدنية، ولكنها أقرب إلى الرومانسية والطوباوية في آن معاً. كان يمكن للربيع العربي أن يبتعث حقاً كينونة الثورة الثقافية المفتقدة منذ بداية عصر النهضة، كان له أن يسترد ثقافة الحرية وحدها من تحت كل الأطلال الأيديولوجية المتراكمة فوق معانيها الأصلية. كان يمكن له أن ينهض بالسقف العالي المنير لثقافة الحقيقة ما فوق كل أدلوجة متخثرة. كان له أن يحمي ثورات الشوارع والميادين الهائجة المائجة بثورات العقول الشابة الفتية، وليس بأجسادهم فقط.

كان يمكن لهذا المنعطف، لا أن يبشر بالحرية فحسب، بل أن يفرض لها سلطتها المعيارية مقابل كل تسلّط أو تجبّر أو تحنّط، لم يحدث هذا بعد.. ولعله سوف يحدث يوماً ما.. فما لم تجربه نهضة الاستقلال، من بين العديد من محنها المؤلمة مع الأيديولوجيا، هي تجربة الكفاح الإنساني تحت شعار الحرية وحدها. نعم وحدها بدون أية نظرية أو (عقيدة) غيبية أو علمانية. فكل ماعداها من الأفكار والمبادئ والعقائد التي تدعي التزامها بها، وتفسيرها وتسويغها، إنما تلعب أدوار الغيوم السوداء التي تحجب أشعة الشمس. ذلك أن أصعب معارك التاريخ السياسي العربي هو صراعه مع المِلَل والنِحَل، كان هذا في ماضيه، ومن مهازل.. بل مآسي القدر، أن يتجدد هذا الجحيم المشؤوم في حاضره.

19/6/2013 – القدس

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة