38 views

تحولات غريبة! ـ يوسف الديني

يفرق أهل المنطق في الموقف من الشيء في «ذاته»، والموقف منه في سياق موضوعي آخر، ويمكن القول إن التحول الإخواني المتأخر جدا في الموقف من سوريا هو أمر «حق» في ذاته، إلا أنه تحصيل حاصل الآن يستدعي قراءة للسياق الذي جاء فيه.

الباعث على هذه القراءة هو البحث عن إجابة ما الذي تغير في الأزمة السورية ليغير طائفة كبيرة من دعاة الإسلام السياسي وعلى رأسهم الدكتور القرضاوي رأيهم ويتبعه في ذلك جمهرة من الدعاة السوبر ستار ويقوم الجميع بالدعوة للجهاد والقتال متناسين أن هذه الدعوة بتلك الطريقة المطلقة خطأ شرعي وخطيئة سياسية، فأصغر طالب علم قرأ الشريعة يدرك أن الفقهاء ينصون على احتكار الدعوة للجهاد بيد الحاكم، وهو الأمر الذي يفسر المفارقة بين رؤية من سماهم القرضاوي «علماء المملكة» وبين رموز الإسلام السياسي في الرؤية لمسألة المشاركة بالقتال وهو أمر يحيل إلى أن المحرك بين الطائفتين مختلف تماما بغض النظر عن الحكم عليه، فالمحرك في المدرسة التقليدية العلمية التي يمثلها علماء المملكة وطائفة من كبار علماء العالم الإسلامي الرسميين هو دافع شرعي مبني على رؤية لطبيعة العلاقة بين الشرعي والسياسي، بينما المحرك لتحولات رموز الإسلام السياسي والدعاة الجدد هو دافع سياسي مرتبط بالمتغيرات على الواقع، وفهم المحرك والدافع مهم جدا لقراءة منطقية للمواقف ليس من الأزمة السورية فحسب بل لعلاقة المؤسسة الدينية بالسلطة السياسية اتصالا وانفصالا.

من الناحية السياسية الدعوة للقتال في ظل واقع الدولة القُطرية خرق سياسي يعني التدخل في سيادة السلطة وعلاقاتها الخارجية التي تحكمها قواعد وأصول سياسية معقدة لا يمكن للدعاة الهواة أن يقوموا بإلغائها بخطبة ارتجالية منبرية.

الأزمة في عمقها هي أن الإسلام السياسي لا يعترف بواقع الدولة القُطرية المستقلة السيادة والحدود (وهو واقع لم يعرفه الفقهاء قديما حيث ارتبطت التشريعات بالإمبراطورية الإسلامية ودولة الخلافة) هذا الواقع الذي يتجاهله بالطبع دعاة الإسلام السياسي رغم الطابع الحداثي لرؤيتهم السياسية، ويلتزم به – ويا للمفارقة – الفقهاء التقليديون بحكم أنهم نقلوا الرؤية السنية المحافظة للعلاقة مع السلطة في الدولة القطرية الحديثة لأسباب تتعلق بالموقف من الفتنة والاستقرار وكل محددات السلم الاجتماعي التي يقدمها التيار العريض من أهل السنة على عكس مذاهب وتيارات كلامية وفقهية كانت تمثل وجهة النظر الثورية في طول تاريخ الإسلام الذي عرف جدلا واسعا على الموقف من «الشرعية».

ما سبق رغم دخوله في تفاصيل المتن العريض للإسلام السني فإنه مهم في فهم ما يجري الآن، لا سيما بعد التحولات التي يعيشها الإخوان في دول الربيع العربي وعموم دعاة الإسلام السياسي خارجها والتي توحي بالتراجع من الموقف في سوريا رغم أن المعطيات لم تتغير فالدعم الإيراني المباشر وعبر ذراعه حزب الله كان منذ البدايات وإن لم يكن بالمشاركة في القتال، كما أن تجاذبات حزب الله السياسية وعزلته وارتهانه للرؤية الإيرانية التوسعية المتمثلة في مرحلة تصدير الثورة قديمة، ولا علاقة للأمرين بالقناعات العقائدية أو «التشيع»، وإنما هي علاقات سياسية مدفوعة بالرافعة العقائدية وهو ما بات يعرف بـ«التشيع السياسي» والفرق بينهما كبير.

والسؤال لماذا يحرص دعاة الإسلام السياسي على جر المنطقة إلى حرب طائفية كبرى عبر الدعوة للقتال والجهاد والتركيز على التمييز العقائدي و«تديين» طبيعة ولغة الأزمة السورية؟

أعتقد أن ثمة عوامل كثيرة ومعقدة لفهم هذا التحول لكن يترشح في الأساس عاملان أساسيان الأول هو عدم رغبة الإخوان ودعاة الإسلام السياسي في فقدان الشرعية الدينية بعد أن اهتزت شرعيتهم السياسية كثيرا، لا سيما أن المنافس في سباق الشرعية الدينية أقوى بمراحل منهم وهم السلفيون وبقايا تيارات الجهاد والجماعة الإسلامية في مصر ومجموعات السلفية الجهادية في باقي الدول، بينما ينافسهم في الشرعية السياسية المعارضة المدنية ذات الخطاب الهش والضعيف الذي لا يمثل أي ثقل في الشارع.

العامل الثاني أن ثمة متغيرات جديدة على الأرض بعد دخول حزب الله المباشر للقتال وبعد تحول جرائم الأسد وتنكيله لشعبه إلى درجة محرجة للمجتمع الدولي أجبرته على إعادة النظر في مسألة التسليح كما هو الحال في الموقفين الأميركي والأوروبي وإن بدرجات مختلفة، ولو ظل الإخوان على موقفهم الأساسي والذي أثار حفيظة إخوان سوريا قبل غيرهم لوضعوا أنفسهم في عزلة سياسية عن الحشد الدولي لإنهاء الأزمة السورية الآن.

سياسيا لماذا يبدو قرار مثل قرار الرئيس مرسي تحصيل حاصل رغم ما يقال عن أنه لم يكن مضمنا في الخطاب الأساسي وإنما جاء مرتجلا، لأنه لم يزد على ما توصلت إليه الجامعة العربية من استبدال نظام الأسد في تمثيل سوريا بالجامعة بالمجلس الوطني.

الدعوة للقتال والنفير كما يحدث الآن بشكل اعتباطي خارج منطق السياسة ومتغيرات الأرض ستكرر مطابخ الإرهاب التاريخية باكستان ثم أفغانستان فالبوسنة والشيشان وصولا إلى العراق وستفرز جيلا جديدا من العائدين بينما يتربع المحرضون على أرائكهم الوثيرة.

19/6/2013 – الشرق الاوسط

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة