54 views

نحرناه..نحرنا السيء ـ علي العبد الله

شكل كلام الشيخ السلفي الكويتي شافي العجمي عن نحر رجل دين شيعي وولده (إبراهيم موسى ملا عيد وولده محمد البالغ من العمر ست سنوات) بالسكاكين في قرية حطلة في محافظة دير الزور السورية يوم 12/6/2013، ولا شك، صدمة كبيرة لكل ذي عقل وضمير رأى الفيديو وسمع تصريحه ولاحظ ابتهاجه، وتحقيره للمغدور بوصفه بالسيئ بدلاً من السيد، والتجاوب الذي أبداه أنصاره عبر صرخات الإعجاب، صدمة مصحوبة بالذهول للدرك الذي انحدر إليه رجل ينتمي إلى دين كرم الإنسان، وطالب أتباعه بالدعوة بالحسني وثّمّن سلوك نبيِّه “لو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك”، شعور سينتقل من إدانة العجمي إلى إدانة السلفية والإسلام ذاته.

تعكس ممارسة الحركات السلفية سعيها إلى إعادة صياغة الثورة السورية بمواصفات ومعايير فكرية وسياسية تنسجم مع توجهاتها وأهدافها، وتعمل على فرض أولوياتها المستندة إلى رؤية عقائدية أساسها تكفير المختلف في الأصول والفروع وتبرير قتله، كما تسعى إلى إسقاط البعد السياسي والحقوقي الذي خرج السوريون لتحقيقه. فالشيخ العجمي الذي اعتبر الهجوم على قرية حطلة وقتل عدد من المواطنين الشيعة، أو نحرهم بالسكاكين كما قال، رداً على ما فعله النظام وحزب الله في القصير، أراد بإعلانه هذا الكشف عن نسب العملية وعن أبوّته لها، في محاولة صريحة لاختطاف الثورة السورية وإخراجها عن مسارها كثورة حرية وكرامة، ثورة شعب ضد نظام عائلي استبدادي وفاسد، عبر تمويل عملية انتقام في ممارسة ثقافة قبلية جاهلية على قاعدة “يوم بيوم” المعروفة، وتحويل الثورة إلى حرب مذهبية مقطوعة الصلة عن مشروع تغيير وطني ديمقراطي شامل يسعى إليه السوريون، مستغلاً حالة انفجار مشاعر على خلفية المجازر وعمليات التطهير المذهبي التي يرتكبها النظام القاتل وحلفاؤه الإيرانيون وأتباعهم (حزب الله، عصائب أهل الحق، كتيبة أبي الفضل العباس).

تلقف النظام وحلفاؤه الواقعة وكلام العجمي، وعملوا على استثمارهما عبر دعوة مجلس الأمن لإدانة المجزرة، والتعميم الواسع لأخبارها مشفوعة بصورة الطفل الذبيح على مواقع التواصل الاجتماعي الشيعية وتصوير قرية حطلة كقرية شيعية هاجمها التكفيريون من جبهة النصرة وقتلوا مدنيين من النساء والأطفال لأنهم من الشيعة وحسب، مع تضخيم في عدد الضحايا، لتوظيفها في ضرب صورة الثورة ووصمها بالطائفية وتحميس أبناء المذهب الشيعي وحشدهم للقتال مع النظام في معركته للبقاء في السلطة عبر تأجيج نار الصراع المذهبي، ناهيك عن إعطاء مصداقية لكلام أمين عام حزب الله وتبرير تدخله في سوريا.

واقع الحال أن قرية حطلة التي تقع على بعد أقل من واحد كيلو متر عن مدينة دير الزور، يفصلها عن المدينة نهر الفرات، وتعد بحدود الـ15000 نسمة تسكنها عشيرة البوبدران، يصفون أنفسهم بالحسينية ويدّعون أنهم أحفاد الحسين بن علي بن ابي طالب، وهم من السنة غير أن السفارة الإيرانية في سوريا لعبت على رواية العشيرة عن نفسها ونجحت في تشييع عدد محدود منهم لا يتجاوز الألف تحت ذريعة أن السنة قتلوا جدكم الحسين فكيف تكونون منهم؟ وحولتهم إلى مركز للتبشير بعد أن مولت إنشاء حسينيات ودعمت المنتسبين الجدد بتمويل مشاريع تجارية كان من بينها محطة وقود (كازية) عرفت بكازية الشيعة (خلال عملية التبشير جرت حادثة طريفة تستحق الرواية، فقد أقامت السفارة الإيرانية عام 1998 حفلاً في القرية في ذكرى كربلاء وأولمت للحضور، عشرات الخراف لأناس لا يذوقون اللحم إلا في المناسبات والأعياد، وبعد أن أكلوا بنهم شعروا بالعطش، فالطعام كان مالحاً، فطلبوا ماء للشرب، فرد عليهم أصحاب الوليمة أنه لايجوز أن تطلبوا ماء، فقد وضعنا ملحاً أكثر حتى تعيشوا حالة العطش التي عاشها جدكم الحسين عندما حاصره جيش السنة وقطع عليه الماء قبل أن يقتله).

عندما قررت إيران النزول بثقلها لدعم النظام لتثبيت موقعها وحجز حصة في سوريا ما بعد الأسد حركت استثمارها في المدن والبلدات والقرى السورية ودفعت المتشيعين إلى حمل السلاح للدفاع عن النظام باعتباره “واجباً شرعياً”، حصل هذا مع متشيعة حطلة الذين حملوا السلاح وهم على قناعة بأنهم يحاربون دفاعاً عن مذهبهم بينما هم، كما النظام السوري وحزب الله، يدافعون عن مشروع إمبراطوري إيراني يستخدم التشيع من ضمن “عدة” الشغل.

لقد التقى النظام وحزب الله وإيران والسلفية في نقطة تقاطع كبيرة: نحر الشعب السوري وتدمير ثورته عبر نحر المواطنين السوريين أو دفعهم لنحر بعضهم بعضاً لاعتبارات طائفية، فالمجازر التي ارتكبها النظام ومقاتلو حزب الله، ورفع “راية” الحسين على مئذنة جامع عمر بن الخطاب في القصير، وتحريك إيران لجيوبها الشيعية في القرى والبلدات والمدن السورية للقتال تحت راية “الواجب الشرعي” فتحت للعجمي وأمثاله طريق التحرك وبرّرت بشكل مسبق عمليات النحر التي دعا إليها ودفع ثمنها.

الخميس 20/06/2013, المدن

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة