28 views

دفاعاً عن «حق الحياة»! ـ محمد دحنون

الثابت الذي لا يقبل دحضاً أنّ المسلحين الثلاثة الذين أقدموا على إعدام «سلمو»، الفتى الحلبي بائع القهوة، هم، في الجوهر، «عدوانيّة محضة» و «شرٌّ مطلق» لا يسعى لتلبيّة حاجاته إلاّ بصفته كذلك: قاتلٌ من أجل القتل. إن كان الأمر على هذا النحو، وهو كذلك فعلاً، فلا «شريعة» ولا «قياس»، ولا استدعاء لقصص من التاريخ الإسلامي، ولا أخلاق ثورة، يمكن أن تفيد في تبيّن حجم الخطأ – الجريمة المطلقة التي ارتكبها هؤلاء. فمقتل «سلمو»، بعد جلده، لا يمكن إلاّ أن يشكّلا ذروة لكل انحطاط إنساني وأخلاقي وقيمي في سورية اليوم، أيّاً كان مرتكبو الجريمة.

المطب الأخلاقي الذي هيّأته «اللحظة السوريّة» هو ما دفع بالكثيرين إلى التعاطي مع الفاجعة، التي حدثت في حيّ حلبي يقع تحت سيطرة قوّات المعارضة، انطلاقاً من مستوى الضرر الذي قد تلحقه بـ «معسكر الثوّرة» في مواجهة «معسكر النظام»!

أليست المسألة (قتل مجاني لفتى في الرابعة عشرة) أكبر من نقاشها، ناهيك عن توظيفها، في سياق صراعي مهما بلغ مستوى نُبل المقاصد التي يسعى إليّها أحد طرفي الصراع في مقابل انحطاط، يبدو أن لا قاع له، يبديه الطرف الآخر؟ لا يشكّل الحديث عن الضرر الذي لحق بالثوّرة جرّاء فعلة المسلحين الثلاثة إلاّ إهانة لكلّ ما هو إنساني في عموم السوريين، وليس السياق مناسباً أبداً للمفاضلة بين «إنسانيتين» معارضة ومواليّة. الأمر أكبر بكثير من فعلة قد تلحق ضرراً بأحد؛ بصورته وأخلاقياته. حتى وإن كان هذا الـ «أحد»: ثورة شعب. المسألة تعني جميع الناس بصفتهم بشراً يُفترض بهم أن يتشاركوا في أمر الدفاع عن الحق الإنساني الأوّل والمطلق: حق الحياة!

كان المشهد غنيّاً بعناصره. وكان المسلحون انتقائيين جداً في اختيار عنصر وحيد منه يبرر لهم، لهم وحدهم، فعل القتل. اعتمدوا على سماعهم الفتى وهو يردّد قولاً يحدث أن يردده كلّ السوريين في لحظة الغضب والتحدي: «إذا بينزل محمّد…».

الأسوأ، إن كان ثمّة أسوأ، أن «العَرَضيّة» و «الصدفة» اللتين تمّ من خلالهما الموقف شكّلتا مؤشراً ودليلاً على النزوع العمومي لرغبة القتلة بالقتل. المقصود بذلك أنّ الأمر في حالة «سلمو» تعلّق بما اعتقده المجرمون الثلاثة كُفراً التقطوه صدفةً، لكنّ المسألة قد تُربط في «مستقبلهم»، إن توافر لهم مثل هذا المستقبل وهذا ما يجب ألا يحدث، بأيّ أحد وأيّ شيء وأيّ قول لا يناسبهم؛ قتلة «سلمو» هم تجسيد ناجز لاكتمال العدميّة.

العجز الذي أصاب المتجمهرين لحظة تنفيذ القتلة عملية الإعدام يشكّل دليلاً على صحة ما سبق قوله. تحدث والد الفتى عن مئتي شخص لم يبادر أحد منهم إلى القيام بشيء على رغم هول ما جرى وفظاعته؛ جَلدُ فتى في الرابعة عشرة من عمره، وما سيجري؛ إعدامه بثلاث رصاصات. لم يقتل المسلحون الثلاثة ابن الرابعة عشرة فحسب، لكنهم قتلوا جميع الشهود المتجمهرين: «كأنهم قتلوا الناس جميعاً». ليس لعيون مسلّحة بالموت أن ترى إلى فقر الفتى؛ حاجته الى العمل كبائع قهوة على «بسطة» مرتجلة في حي الشعار الحلبي. ليس لـ «عدميّة ناجزة» مهجوسة بالموت والقتل أن ترى إلى عنفوان الفتى وجسارته في الدفاع عن رزقه ولقمة عيشه: لا يريد أن يُقرض أحداً. يضع الفتى «الدنيوي» بإفراط تحدّيه هذا على مستوى الاستحالة إذ يقرنه بـ «نزول محمد».

«سلمو» لم يكفر. وأيّاً كان ما قاله الفتى وما سيقوله غيره من أقرانه من الفتيان فإنهم لا يفعلون. استعان الفتى برسول الإسلام كي يؤكد حقّه في العيش.

21/6/2013 – الحياة

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة