107 views

روحاني: هامش التغيير المتاح ـ المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات

شكَّل فوز المرشح “المعتدل” حسن روحاني في الدور الأول من الانتخابات الرئاسية الإيرانية وحصوله على أكثر من 18.6 مليون صوت، أي ما يعادل نحو 50.71 في المئة من أصوات الناخبين المسجلين، مفاجأةً كبيرةً لمتتبعي الشأن الإيراني. كما جاءت لافتة نسبة المشاركة العالية في التصويت والتي بلغت 72.70 في المئة.

لا يعد روحاني جزءًا من التيار الإصلاحي، ولكنّ الإصلاحيين دعموه بوصفه مرشحًا معتدلًا. وقد مثّل فوزه انتصارًا سياسيًا كبيرًا لتحالف المعارضة الإصلاحية وجناح هاشمي رفسنجاني المعتدل، وهزيمةً للتيار الأصولي بمختلف أطيافه. في حين تؤكد نسبة المشاركة المرتفعة استمرار مراهنة الإيرانيين على صناديق الاقتراع لتغيير أوضاع بلادهم. فكيف ستؤثر نتائج هذه الانتخابات في سياسات إيران الداخلية والخارجية؟ وما هي التحديات التي سيواجهها الرئيس الجديد في ذلك؟

حيثيات فوز روحاني

خلافًا لانتخابات عام 2009 التي شككت فئات إيرانية واسعة بنزاهتها، حظيت انتخابات عام 2013 بإجماع على نزاهتها، ما يشكل تطورًا إيجابيًا في اتجاه التمكين للقانون والإرادة الشعبية؛ وهو مسار طويل في إيران يحتاج إلى إعادة نظر في مجمل القوانين الانتخابية، وفي مقدمتها العملية الانتقائية التي يمارسها مجلس صيانة الدستور للمرشحين المسموح لهم بخوض السباق الرئاسي.

خلال أكثر من عامين، ظلّ النظام الحاكم يرفض الاستجابة لمطالب الإصلاحيين التي اعتُبرت شرطًا للمشاركة في الانتخابات الرئاسية وانتخابات المجالس المحلية، والمتمثلة أساسًا في رفع الإقامة الجبرية عن القياديين الإصلاحيين مير حسين موسوي ومهدي كروبي، والإفراج عن المعتقلين السياسيين.

وفي السياق ذاته، يمكن فهم تصريح الرئيس الإصلاحي السابق محمد خاتمي بأنّه غير مسموح لتياره بالعودة إلى الحياة السياسية، وأنّ المتاح حاليًا هو حيز بسيط لا يعرف كيف يمكن الاستفادة منه. هذا الوضع جعل الإصلاحيين يتركون مسافة بينهم وبين المرشح محمد رضا عارف المحسوب عليهم؛ إذ لم يجرِ تعريفه رسميًا بمرشح القوى الإصلاحية، بل جرى الترويج لترشيحه على أنّه مبادرة شخصية منه. وكان الرهان الإصلاحي في هذه المرحلة مركزًا على تحالف خاتمي – رفسنجاني، لكنّ استبعاد ترشيح هذا الأخير، بضغوط من وزير المخابرات حيدر مصلحي المحسوب على المرشد، أحدث ارتباكًا داخل الصف الإصلاحي الذي ما لبث أن استعاد توازنه عندما تمكن من إقناع محمد رضا عارف بالانسحاب لصالح حسن روحاني.

أبرز هذا المتغيّر الانتخابي تطورًا نوعيًا في الوعي السياسي عند المعارضة الإيرانية، والتي ظلت لسنوات عاجزة عن التوافق بين مكوناتها، إلى أن اقتنعت بأنّ لا طريق أمامها إلا توحيد الجهود، والمناورة ضمن الحيز المتاح لها، وضمن الشروط الموجودة؛ وهذا يعني أيضًا أنّ المعارضين قد استفادوا بالفعل من دروس انتخابات عامي 2005 و2009، عندما توزعت أصوات الكتلة الإصلاحية الناخبة بين أكثر من مرشح، وسيكون هذا التحوّل مفيدًا جدًا للمعارضة على المدى الطويل في إدارة صراعها مع مختلف مراكز القوة المناهضة لها داخل النظام.

ومن المحتمل أن يقوّي فوز الإصلاحيين والمعتدلين في هذه الانتخابات نفوذ قوى التغيير التي ما زالت تراهن على التحول السلمي ضمن قواعد اللعبة كما تحددها القوى الحاكمة، ويُعزّز هذا الرهان عدة عوامل، منها: فشل الانتفاضة الشعبية عام 2009 في تحقيق نتائجها، وعدم نجاح قوى المعارضة بجميع تياراتها في الاتفاق على برنامج سياسي موحد، والخسائر الباهظة التي دفعها الإيرانيون بسبب العقوبات الدولية، واستحكام القبضة الأمنية التي لا تتردد في تحييد أي منافس سياسي يهدد مصالح القوى النافذة في الحكم.

وقد استثمر حسن روحاني في معركته الانتخابية ظروف المرحلة؛ ليقدِّم نفسه باعتباره مرشحًا للتغيير في مواجهة خصوم أصوليين يمثلون الاستمرارية، ومستغلًا غياب رموز التيار الإصلاحي وتوافق المعارضة الإصلاحية والمعتدلة مقابل تشتت أصوات الأصوليين بين خمسة مرشحين، فضلًا عن السخط الشعبي على عموم التيار الأصولي، وتوجس المجتمع من استمرار السياسات الصدامية للأصوليين مع القوى الإقليمية والدولية، وتشتت أصوات أنصار أحمدي نجاد في ظل امتناعه عن دعم أي مرشح بعد استبعاد مرشحه الرسمي رحيم مشائي.

فرص وتحديات أمام الرئيس المنتخب

قد لا يكون دقيقًا تفسير المشاركة الواسعة للإيرانيين في الانتخابات باعتبارها تصويتًا لنظام الجمهورية الإسلامية فحسب، ذلك أنّ ملايين الأصوات التي صنعت فوز حسن روحاني صوّتت بالأساس ضد سياسات حكومة أحمدي نجاد وباقي الأصوليين الذين ساندوه في انتخابات عام 2009، وهو في حقيقته تصويت ضد اختيار المرشد الذي غامر بموقعه عندما انحاز علانية إلى أحمدي نجاد، وبارك سياسته الخارجية الصدامية طوال الأعوام الثمانية الماضية، ودافع عنها تحت شعار “سياسة المقاومة”؛ مما جلب حزمات متتالية من العقوبات المشددة على البلاد. وفي الإطار ذاته، يجب ألّا ننسى الشعارات التي رفعها أنصار حسن روحاني في حملتهم الانتخابية، والتي استحضرت تطلعات الحركة الخضراء المتمثلة بالانفراج السياسي والتغيير الديمقراطي، وهي الشعارات التي سايرتها إلى حد ما وعود روحاني.

ويمكن لرئاسة حسن روحاني أن تمثّل نموذجًا في استفادة قوى المعارضة الإيرانية من أخطائها السابقة، وبخاصة أنّ الرجل يقف في منطقة وسطى بين الأصوليين والإصلاحيين، وينوي تشكيل حكومته من كفاءات كلا التيارين ومن الخبرات المحسوبة على رفسنجاني، وبإمكان روحاني أيضًا استثمار علاقته الجيدة والقريبة بالمرشد علي خامنئي لتحقيق الإصلاحات التي وعد بها.

هذه المزايا يمكن أن تساعد الرئيس المنتخب على كسب تحديين أساسيين: الأول إرضاء تطلعات الأصوات الإصلاحية التي أوصلته إلى كرسي الرئاسة، وبخاصة ما يتعلق بتدبير عودة بعض القيادات والكفاءات الإصلاحية إلى الساحة السياسية وأجهزة الدولة. ثمّ الضغط في اتجاه إطلاق سراح المعتقلين السياسيين، ورفع الإقامة الجبرية عن مير حسين موسوي ومهدي كروبي. والثاني إرضاء التطلعات الاقتصادية لعموم الفئات الشعبية، وإخراج البلاد من نفق الحصار الاقتصادي، وإبعاد شبح التهديدات العسكرية واحتمالات الحرب مع الغرب.

لا يبدو كسب هذين التحديين أمرًا سهل المنال، في ظل تعقيدات النسقين الدستوري والسياسي الإيرانيين، وهو ما أكدته تصريحات الرئيس المنتخب الحذرة في أول مؤتمر صحافي له قبل أيام، إذ توقّع أن تسير سياسته في معالجة الملفات المستعصية داخليًا وخارجيًا وفق منهجية “خطوة بخطوة”، وأنّ القرارات في هذه القضايا تحتاج إلى تنسيق وتوافق مع باقي مؤسسات الدولة.

ومن المؤكد أنّ جزءًا مهمًا من جذور المشاكل الاقتصادية يرجع بالأساس إلى تداعيات فشل المفاوضات مع الغرب بشأن الملف النووي، ما يفرض على الرئيس الجديد – استنادًا إلى خبراته السابقة في إدارة الملف – بذل جهد كبير لإقناع المرشد والحرس الثوري بضرورة إبداء مرونة في معالجة هذا الملف، وإدخال تغييرات على أسلوب التفاوض مع الغرب، بما يؤدي إلى تقليص احتمالات الصدام ورفع العقوبات الاقتصادية أو على الأقل التخفيف من وطأتها.

وبالنسبة إلى الملف السوري، فمن المستبعد أن يكون هناك خلاف جوهري بين الرئيس الجديد والمرشد في الموقف من الأزمة السوريّة؛ فوفق النظرة الإستراتيجية الإيرانية فإنّ ما يحدث في سورية يمسُّ الأمن القومي الإيراني في الصميم، وهذا ما جعل موضوع التدخل في سورية غير موجود في خطابات جميع المرشحين للرئاسة، ومنهم حسن روحاني، على الرغم من مناقشتهم مواضيع خارجية مثل الملف النووي والعلاقة مع الغرب. وقد صرَّح المرشح المنسحب محمد رضا عارف في حوار انتخابي ميداني، بأنّ الهدف مما يحدث في سورية هو إيران، وأن لا أحد يستطيع التعبير عن غير هذا الموقف.

وإذا تأكدَّت الأخبار المنشورة بشأن إرسال إيران أربعة آلاف جندي من الحرس الثوري إلى سورية، فذلك يعني استبعاد تغيِّر الموقف الإيراني من الثورة السوريّة، ومن المرجح جدًا أن يمنح نجاح النظام الحاكم في حشد مشاركة شعبية واسعة في الانتخابات قدرة أكبر على مواصلة التدخل في سورية، وربما الذهاب بعيدًا في ذلك.

وبالنظر إلى فشل معظم التجارب الرئاسية السابقة في تنفيذ برامجها، بسبب وجود مواقع قوة نافذة في النظام ترفض إما العمل تحت مظلة الحكومة أو التوافق معها على حد معين من السياسات، وبخاصة الحرس الثوري والمؤسسات الأمنية والاقتصادية التابعة له والتيار السياسي المُهيمن في البرلمان ومؤسسة مرشد الثورة التي يعتبر الدستور مواقفها وتوجيهاتها قولًا فصلًا في القضايا كافة؛ فسوف تكون رئاسة حسن روحاني باعتقادنا أمام أحد الاحتمالين التاليين:

أن ينجح الرئيس الجديد في الوصول إلى توافق نسبي مع القوى النافذة في النظام بما يؤدي إلى تحقيق بعض مطالب الإرادة الشعبية في التغيير، ما يفتح الباب أمام القيام ببعض الإصلاحات السياسية والاقتصادية الضرورية، والتي من شأنها استدراك الأضرار البالغة التي سببها استفراد التيار الأصولي بمؤسسات الدولة طوال الأعوام الثمانية الماضية، ومن ثمّ معالجة الشرخ الحاصل بين الدولة والمجتمع، والذي عمقته أحداث عام 2009. سيعطي هذا الاحتمال إيران فرصة حقيقية للخروج من عزلتها الدولية والإقليمية، علمًا أنّ ذلك يتطلب أن تفهم القوى المؤثرة في النظام مشاركة الإيرانيين الكبيرة في الانتخابات كتعبير عن الرغبة في التغيير الحقيقي والسلمي، وليس كتصويت لصالح نظام الجمهورية الإسلامية واختياراته الإستراتيجية داخليًا وخارجيًا فحسب.

أن يفشل الرئيس الجديد في إقناع هذه القوى بالتوافق واقتسام السلطة وفق ما يحدده دستور البلاد، ما يعني دخول إيران في فصل جديد من الصراع بين مؤسسة الرئاسة من جهة ومؤسسة المرشد والقوى التابعة لها من جهة ثانية، وسنكون هنا أمام أشكال جديدة من الصراع بين الطرفين ستنعكس تبعاته سلبيًا على المجالات الحيوية كلها حيث تتمركز مصالح تلك القوى؛ أي الاقتصاد والأمن والقضاء والمؤسسة الدينية والبرلمان. هذا الوضع سيُنهك الدولة، وسيعمِّق أزمات المجتمع، ويؤجل حلول المشاكل العالقة إلى مرحلة قادمة، وليس من المستبعد أن يعرِّض هذا الفشل استقرار البلاد للخطر.

(وحدة تحليل السياسات)

 الجمعة 21/06/2013,

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة